فهرس الكتاب
... إن محاورة الشاعر خارج هذه الدائرة يضع اللغة في مأزق حرج، إذ لا يحمل الخطاب عين الدلالة، وعين الرمز. ولكن الشاعر يسدّ هذه الثغرة حين يعتبر أن كل"جزائري"-تحت نير الاستعمار- يحمل زنزانته في داخليته.."في الحنايا". وعلى هذا الاعتبار فقط، تكون الذات المتلقية مضبوطة على نفس موجات البث الشعري. فالداخل والخارج سيان في كل ذات، سواء أكانت نزيلة في ضيق المكان ( السجن) أو خارجه، نزيلة وضع يتسلط في الآخر على جميع الحريات. ما دام المكان يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الحرية. ومما لاشك فيه أن الحرية:» في أكثر صورها بدائية، هي حرية الحركة. ويمكن القول أن العلاقة بين الإنسان والمكان - من هذا المنحى - تظهر بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية. وتصبح الحرية في هذا المضمار، هي مجموع الأفعال التي يستطيع الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي، لا يقدر على قهرها أو تجاوزها.« (9) وقد يتضح الأمر أكثر، إذا أدركنا أن القارئ الضمني الذي يخاطبه الشاعر، قارئ مستعمَر تتساوى إقامته خارج السجن وداخله.
... إن موضوعة السجن تحدد موقفها الخاص"الستاتيكي"نسبيا، ما دام الزمن الذي يجري فيه لا يسلك مجرى الزمن"الكرونولوجي"الخارجي. فللسجن زمنه الخاص الذي يتخلل الذات المسجونة، ويطبعها بحركته شبه الراكدة، والتي من شأنها تبليد الإحساس، وقتل المبادرة، وإخماد الثورة..بيد أن هذا الزمن"الدائري"يتيح شيئا من الانفراج والانفتاح، فيفسح صدره للتأمل والمراجعة. وبذلك ينتفي وجوده"المادي"حاجزا، ليسكن منطقة"البين بين". إنه جزيرة تقع على مسافة ما بين الواقع واللاّواقع، بين الوجود واللاّوجود، بين السماء والأرض، بين الحياة والموت، على مدرج التأمل الثاقب.. إنه هناك وهنا في ذات الآن.