فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 154

... ولما كان السجن كذلك، كان الموقف الذي يشمله، موقفا متباطئا، متراخيا، تعود فيه الذكرى فتعمر أرجاءه، وتعود المواقف السالفة إلى حيزه لتأخذ نصيبها من التروي والدرس. عندها يكتمل شرط النضج للتجربة الفنية. فتتحلل اللغة من دلالتها المباشرة وتروغ إلى الرمز، حتى تتمكن من احتواء الظلال الكثيفة للمواقف القديمة. وتنشأ القصيدة - هذه المرة - لا كاستجابة فورية، وإنما تأخذ حظها من الصناعة والمراجعة. ففضاء السجن لا يمتّ ظاهريا بصلة للمواقف التي سلفت، وإنما العلاقة هنا، علاقة استشراف وإطلالة.

... إن عملية الإبداع داخل السجن، هي دائما محاولات لنسف"المكان"، وفتق حدوده، وتجاوزها. فكل بيت من الشعر يتغنى به الشاعر، إنما هو"مشروع""Projet"- في عرف الوجوديين - ليحقق من خلاله"أناه"خارج الموقف المحاصر.وربما فسر لنا هذا الفهم جنوح"مفدي زكرياء"إلى إشارات تتصل بعالم القداسة العلوية ك"المعراج، والمهبط، والمسرى..".إنها رموز للانفلات من قبضة"الإنساني"المحدود العاجز:» إلى غاية له يحاول بها التغيير من حالته الحاضرة.« (10) . فالسجن، وإن تحقق مكانيا،حيزا للقهر والحجر، فإنه زمنيا تعطيل لسيرورة الحياة..حياة فرد معين. وكأن السجّان يريد أن"يوقف"حياة السجين لسنوات معدودات، ثم يعيد"تشغيله"بعد ذلك. فالإقصاء مضاعف: إقصاء مكاني، وإقصاء زماني. وهنا تتكشف فكرة"البين بين". فالسجن لاوجود له في المكان العام"Public"المشترك، ولا في الزمان العام. إنما هو مقصى.

4-السجن.قداسة الفضاء الرمزي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت