فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 154

... تأخذ موضوعة السجن عند"مفدي زكرياء"طابع الفضاء المتعدد الدلالة، والذي يلتقي فيه الموقف الإنساني بشتى مشكِّلاته، فيأخذ أبعادا تجعله مكانا خاصا"Special"يتسم بجماليات متعددة، كثيرة الثراء، تسمو على الواقع، وتتجاوزه لتشكِّل منطقة"موجبة""Positive"على الدوام. فالسجن - عنده - لا يرادف الحجر والمنع، بل يرادف التحرر والانطلاق والريادة. فتنتفي دلالته المعجمية الأولى، وتتلاشى وظيفته الاستعمارية، لتحل محلها وظيفة أخرى أكبر خطرا.. إنه يخاطبه قائلا:

يا سجن ازخر بجنود الكفاح

فأنت يا سجن طريق الخلود

أنت محراب الضحايا

يا مصنع المجد ورمز الفدا

يا مهبط الوحي لشعر البقا

يا معقل الأبطال و الشهدا

يا منتدى الأحرار والملتقى

أصبحت يا سجن لنا معبدا

عليك نتلو العهد و الموثقا

أنت أنت أنت يا بربروس. (11)

إن مراقبة اللغة - من خلال هذه الموضوعة - يكشف عن انزياح دلالي خطير في بنية النص.إذ تكون الانطلاقة من فضاء مشخّص مخاطب، تستقيم مناداته ب"يا سجن"لأنه"بربروس"وذلك هو نصيب الواقعي التقريري من النص.فإذا تمّ للشاعر هذا المنطلق الذي تستحيل فيه جدران السجن إلى مخاطب، تتقرر الصفة الإيجابية للسجن، إذ يغدو طريقا للخلود. فالجمع الذي يزخر به، لا يعاني فيه قيد الحجز والحجر، بل يستعد للانطلاق بعيدا.. إلى الخلود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت