فهرس الكتاب
... إن رمزية"الخلود"تكشف عن حمولة دينية زاخرة، تبدأ ببذل النفس، وتنتهي بالشهادة عند وعد الله - عز وجل -: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون. } (آل عمران ) .إنها رمزية تفتح السجن على فضاء آخر، أكثر طهارة من الفضاء الأول. ف"المحراب"قطعة منه تتعالى لتسكن فسحة"البين بين"البرزخية، تتأتى فيها الصلة المنشودة بالعالم العلوي. فالتحول من الحشد والتجميع إلى الطريق..إلى المحراب..رحلة يتعدد فيها الفضاء الجديد للسجن، من"النحن"إلى"الأنا"، من الهم الجماعي إلى الاهتمام الفردي، فتزول عنه عوارض الدنيا ليسمو إلى مدارات الطهر الخالص.وأي مجد أرسى دعامة من التضحية ؟.
... وتتعدد العلاقة بين الفضاءين: فضاء المحراب، وفضاء الخلود عن طريق الوحي ومهبطه.. وذلك رمز آخر يحفل بحمولة دينية، تعطيه صدق الوعد، وصدق الموقف. إنه فضاء يتلقى فيه الشاعر نفثا علويا يؤكد صدق مقصده، وسلامة مسلكه، وعدالة قضيته. إن"المحراب"حيز منجاة، و"المهبط"حيز وحي، يجعلان من السجن"المكان""معراجا"تذرعه إرادة الله - عز وجل - ورغبة الشاعر في آن.ومن ثم يغدو فضاء السجن، فضاء"وسيطا""Intermediaire"يستشرف الواقع ويعلوه. ويتحول الحيز الجديد إلى حيز إبداع يتأتى للشاعر فيه ما لا يتأتى له في غيره من فرائد القول، مادام نتاجه للبقاء والخلود. وأي مطلب أسمى تحلم به التجربة الإنسانية من خلود آثارها !
... إننا نشهد أن فضاء السجن- من خلال تعدد وظائفه - يجسد موقفا إنسانيا تتحقق فيه الصلة بين الذات وخالقها، تحققا يتيح صفاءها ونقاءها. وتلك صرخة"يوسف": { رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه. } (يوسف23) ولهذا السبب كان السجن مصنعا للمجد.
5-السجن. ثنائية الحياة والموت: