فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 154

... إذا كنا قد قررنا من قبل أن السجن معراج، تذرعه إرادة الله عز وجل، ورغبة الشاعر، فإن الوقوف مع السجين يبلور الفكرة ويعطيها أبعاداأخرى تتوسع معها مدارات الحيز، وتتقاطع فيها فضاءات شتى، وتعمرهارمزيات عدّة. يمكن استنطاقها انطلاقا من إدراك خصوصية كل فضاء. يقول"مفدي زكرياء"عن السجين المقاد إلى المقصلة:

قام يختال كالمسيح وئيدا

يتهادى نشوانا، يتلو النشيدا

باسم الثغر، كالملاك أو كالط

فل يستقبل الصباح الجديدا

شامخا أنفه، جلالا وتيها

رافعا رأسه، يناجي الخلودا

رافلا في خلال زغردة تملأ

من لحنها الفضاء البعيدا. (12)

يمكننا الساعة تمثل الموقف داخل السجن، بل ومشاهدته من خلال الكتابة المشهدية، وعيون السجناء تطل من كوى الزنزانات، تراقب مرور السجين مقادا إلى الشهادة. إنه موقف تتوقف فيه كل حركة: حركة التنفس في الصدور، حركة الزمن بين الجدران، لأن النهاية الدنيوية قد أزفت. تتباطأ الحركة إلى درجة أن كل خطوة فيها تحتفر أثرها في النفوس. إن مساحة الكوة التي يطل منها السجين على رفيق دربه، لا تسمح له بالرؤية الشاملة، بل تقتطع من المشهد"لمحة"يُسجّل أثرها في نفسه وبصيرته، فيتوهم بعدها أن الحركة قد توقفت، وأنه يشاهد تفاصيل لا يشاهدها غيره. لهذا السبب تزاحمت التشبيهات في أبيات"مفدي زكرياء"تزاحما عجيبا. لأنه- وهو المطل من كوّته حافظ على لقطة واحدة من المشهد تقاطعت فيها مشاعر عدة. فراح يبحث لها عن معادلات في ذاكرته واعتقاده، والموكب يواصل سيره الجنائزي. فتزاحمت الصور في خلده.

... إن الألفاظ في البيت الأول تكشف عن تباطؤ الزمن والحركة معا. ف"قام، يختال، وئيدا، يتلو.."كلها ألفاظ تختزن البطء، والسكينة، والوقار. فالقيام له حركته الخاصة، والاختيال له سيماته المميزة، والتوأدة، والتهادي، والتلاوة.. وكأن الحركة رسمت على شريط يتيح للعين فرصة التملي و التفرّس في أحوال السجين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت