فهرس الكتاب
... والغريب أن اللغة، هي الأخرى تشارك في صنع هذه الحركة المشهدية، إذ هي تدفع ب"المدود"إلى ساحة البيت لتمدد الكلمات"صوتا"وكأنها تتمدد نتيجة تمدد الزمن الحافل بالمشاعر. قام، يختال، شامخا، رافلا، رافعا..مسيح، وئيد، يتهادى، نشوان، باسم..ولم تخل كلمة من كلماته من مد، حتى يتوقف المشهد في سكونية المسيح التي تعرض بالمستعمر من خلال دفع زعم الصلب إلى يقين"بعث"عيسى عليه السلام.
... وتتضافر الألفاظ من جهة ثانية لإشاعة جو من الإيجابية"Positivite"والإشراق على الموقف، وكأن الموت الأكيد خلاص وفوز. فالاختيال، والتهادي، والشموخ، والرّفل..إشارات تكتسب دلالتها الرمزية من فضاء: السجن/المعراج. فاللحظة..لحظة لقاء بين الذات وخالقها، وحُقّ لها أن تبتسم، وأن ترفل في صفائها كالمسيح..كالملاك.. كالطفل. إن عرض الموقف في إيجابيته المطلقة، يجعل من السجن فضاء محببا. وتبقى رمزية"الصباح"الجديد محل قراءتين: صباح الشهادة والخلود، وصباح الاستقلال والحرية. فالفضاء هنا دائرة"وجودية""Existentielle"تلتقي فيها الحياة بالموت في تكامل، لا يحمل تعارضا أنطولوجيا. فالخلود حياة، والاستقلال حياة. وكما يبطن الخلود وفات، يبطن الاستقلال ممات.
6-السجن. فضاء تحول:
... إذا سلمنا أن موضوعة السجن قد أخذت عند"مفدي زكرياء"شكل فضاءات متعددة:
سيان عندي، مفتوح ومنغلق
ياسجن، بابك، أم شُدّت به الحلق
يا سجن ما أنت ؟ لا أخشاك تعرفني
من يحدق البحر، لا يحدق به الغرق
إني بلوتك في ضيق و في سعة
وذقت كأسك، لاحقد، و لاحنق. (13)
تتجاوب المواقف المثارة في لحظتها، فيجد فيه الشاعر فسحة لإنشاء جملة من"التحويلات""Metamorphoses"الرمزية التي تنطلق من واقع عام-هذه المرة- لتحاور الآخر. لذلك جاء الحديث مركزا على الانتماء، والأصالة، ملفوفا برمزية رومنسية جذابة:
اعصفي يا رياح
واقصفي يا رعود
واثخني يا جراح
واحدقي يا قيود
نحن قوم أباة