فهرس الكتاب
ليس فينا جبان. (14)
لابد ابتداء من التكيز على خصوصية السجن عند"مفدي زكرياء"إنها خصوصية موجبة دائما، لا يتسرب إليها شك، ولا يساورها ريب. فهو الآن في ثوب من الرمزية لا يخشى أن يخاطب الرياح التي ترادف وضع البلاد، مخاطبة المتحدي الذي يستهين بفعلها. فيدعوها إلى مضاعفة النشاط. وقد يبدو الموقف غريبا إذا هو فهم على هذا النحو، ولكن رمزية"الرياح"ترتبط في ذهن المسلم دائما بالخصب والعطاء، لدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا". ولارتباط الريح دائما بالهلاك والدمار. وقد يكون الاستعمال عند"مفدي زكرياء"مقصودا من باب معارضة المواقف ودفعها. فالعصف، والقصف، يثيران الخوف والفزع. وقد ارتبطا في الموروث العرفي بهذه المعاني جملة. فالفضاء هنا فضاء تحول، يجعل من الواقع المعطى إمكانية تجاوز لواقع أحسن وأمثل. فالأمر في اثخني، واحدقي يعلن التحدي المستمر لذلك الواقع مادامت النتيجة: نحن قوم أباة، ليس فينا جبان.
إن الفضاء يكشف عن تدبير حاذق لهندسة النص. وطابع التحويل يسكن الغضب والثورة التي صاغت مثل هذه الأبيات، وأعطتها هذه الرمزية القوية التي تكشف للقارئ صلابة العود، وإصرار السجين.
7-السجن. فضاء تأمل وفلسفة:
... إن عناصر التحويل التي استنطقناها في الأبيات السالفة، توحي لنا بإمكانية أخرى تسكن هذا الفضاء، وتعطيه خصوصية جديدة تندرج في إطار إيجابيته، وتكسبه مجالا يعمره التأمل، والتفلسف. فتتسع دائرته، وتتحول حدوده إلى شيء يتجاوب فيه الداخل والخارج، ويتقاطعان في الذات الواحدة. فيعطي التأمل في هذه الحالة، تركيبا شعريا فلسفيا، تخالطه اللغة الحالمة، فتصبغه برومنسية لم نألفها في شعر"مفدي زكرياء"إلاّ لماما.. إنه يقول:
-في الحنايا.. وسواد الليل قاتم
... مالت الأكوان سكرى.. ثملات
... أودعتها مهجة الأقدار سرا
-في الزوايا.. بين سهران ونائم
... ونجوم الليل حيرى .. حالمات