فهرس الكتاب
وقد كان شيخ الإسلام زكريا الأنصاري [1] - رحمه الله تعالى -"يصلي النوافل من قيام مع كبر سنه وبلوغه مئة سنة أو أكثر، وهو يميل يمينًا وشمالًا لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكِبَر والمرض، فقيل له في ذلك، فقال: يا ولدي، النفس مِن شأنها الكسل، وأخاف أن تغلبني وأختم عمري بذلك" [2] .
وينبغي أن يعالج الكسل لئلا يؤدي إلى الفتور"وهو دواء يصيب العاملين يؤدي في أسوأ أحواله إلى الانقطاع بعد الاستمرار، وفي أحسن أحواله يظهر السكون والكسل والتراخي والتباطؤ بعد الحركة، وورود الفتور أمر عارض يجب ألاّ يُسلم له ... فالداعية إن كانت له فترة فلتكن استراحة مقاتل يعود بعدها إلى العطاء والجهاد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - [لكلِّ عملٍ شِرّة[3] ، ولكل شِرّة فَتْرة [4] ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك] [5] ."
قال ابن القيّم - رحمه الله:"فتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم تخرجه من فرض ولم تُدخله في محرم رُجي له أن يعود خيرًا مما كان مع أن العبادة المحببة إلى الله سبحانه هي ما دام العبدُ عليها" [6] .
د/ السآمة والملل:
إن الله تبارك وتعالى وضع سننًا تسيّر هذا الكون وتحكمه، وهي سنن حكيمة لها حد تنتهي إليه بعلم الله تبارك وتعالى، فمن هذه السنن أن الفساد الناجم عن طول معاشرة الناس للمنكرات واستمرائهم لها لا يزول إلا بإصلاح تدريجي قد يطول فيستغرق أجيالًا، أو يقصر ليتحقق في الجيل نفسه لكن بعد سنوات طويلة، والناظر في التاريخ الإسلامي بل تاريخ النبوات والمصلحين منذ آدم عليه السلام يرى ذلك واضحًا جليًّا لا يحتاج إلى برهان.
والمتصدون لهذا الإصلاح لا بد أن يوقنوا بذلك، ويوطنوا أنفسهم على بذل الأوقات الغالية على مدى أزمان طويلة متتالية - قد تبلغ ثلاثين أو أربعين سنة أو أكثر - حتى يستقيم لهم طائفة معتبرة من الناس على منهج الله تبارك وتعالى.
فإن جاء أناس تعجلوا وظنوا أنهم قد يختصرون زمان الإصلاح إلى سنوات قليلة معدودة فهؤلاء لم يفقهوا تلك السُنة ولم يفهموها حقّ الفهم، وعملهم هذا مبتدع، حيث لا سابق لهم في ظنهم هذا ولا يستطيعون الإتيان بدليل على ما ذهبوا إليه.
ثم إن وضح لتلك الطائفة خطأ ما ذهبوا إليه وتعجلوه ارتد أكثرهم على أعقابهم يائسين من الإصلاح، راغبين عنه، زاهدين فيه، قد علتهم السآمة والملل واعتراهم الكلال والضعف فيصبحون عاجزين مثبطين، مُحبَطين مُحبِطين.
وهذا خلاف منهج الأنبياء العظام الذين بذلوا جهودًا كبيرة لمدة طويلة بلا يأس ولا ملل، وأوضح مثال على هذا هو نبي الله نوح عليه السلام، فقد واصل"جهوده النبيلة الخالصة الكريمة لهداية قومه بلا مصلحة له ولا منفعة، ويحتمل في سبيل هذه الغاية ما يحتمل من إعراض واستكبار واستهزاء ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعدد المستجيبين له لا يكاد يزيد، ودرجة الإعراض والإصرار على الضلال ترتفع وتزداد ... ولا يمل ولا يفتر ولا ييأس أمام الإعراض والإصرار ... حاول أن يسلك إلى آذان قومه وقلوبهم وعقولهم بشتى الأساليب ومتنوع الوسائل في دأب طويل وفي صبرٍ جميل وفي جهد نبيل ألف سنة إلا خمسين عامًا ..." [7] .
(1) زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، أحد علماء القرن العاشر،
(2) المصدر السابق: 1/ 202.
(3) النشاط والرغبة، وشِرّة الشباب أوله ونشاطه، وانظر (الترغيب والترهيب) : 1/ 87.
(4) الفترة: الانقطاع.
(5) قال الإمام المنذري: رواه ابن أبي عاصم وابن حبان في صحيحه، انظر (الترغيب والترهيب) : 1/ 87، وقد صحح الحديث الأستاذ أحمد شاكر - رحمه الله -، كما في (العوائق) : 9.
(6) (الفتور) : 15 - 16. ونسب المصنف كلام ابن القيم إلى (مدارج السالكين) : 3/ 126.
(7) (في ظلال القرآن) : 6/ 3712 - 3715 بتصرف.