فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 50

وقد تكون السآمة - المؤدية للعجز - ناشئة عن نفس ملولة سَئمة متقلبة، لا تستقر على أمر، ولا ترضى بالثبات على واحدة مُرْضية زمانًا طويلًا، أو تكون ناشئة عن مزاجية في العمل فما رغب فيه عمله ما رغب عنه تركه، أو تكون ناشئة عن إحباط؛ فقد يعمل الشخص طلبًا لمنصب أو تحقيقًا لغرض، فإن لم يدركه أصابته السآمة وترك العمل.

هـ / الانقباض وضِيق العَطَنِ [1] :

نفوس المصلحين لا بد أن تكون رحبة، بعيدة عن العسر، قريبة مِن الناس، تؤثِر الخلطة المفيدة، وتشعر الناس جميعَا أنهم قريبون منها على الدوام، أما إن كان الثقات عسرين، منقبضين، ضيقي العَطَن، راغبين عن الناس، مؤثرين العزلة غير المفيدة، ولا المنضبطة بضوابط الشرع المطهر فإنهم سيكونون عاجزين كل العجز عن إصلاح المجتمع والتأثير الإيجابي فيه، ولن يُحتاج إلى أحدهم إلا اضطرارًا وبقدر، وعدا عن ذلك فإنهم سيكونون منعزلين ما لم تشتد حاجة الناس إليهم، كحاجة السابقين إلى الأعمش [2] - رحمه الله -.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف] [3] .

وهذا الانقباض عن الناس يحيل المرء إلى أن يكون عاجزًا لا يستطيع إصلاحًا ولا يقدر عليه، بل لا يرغب فيه.

ولله در الشافعي حيث يقول لتلميذه:"الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكُن بين المنقبض والمنبسِط" [4] .

و / اليأس:

اليأس نقيض الحياة، وهو الموت المبكّر؛ وذلك لأن اليائس قد أظلمت الدنيا في وجهه قبل ظلمة القبور، ومات الأمل في نفسه وذهنه وقلبه قبل موت أعضائه، فهو في الدنيا حسًّا لكنه معدود في عالم الأموات الذي يشمل أصنافًا كثيرة منها من خرجت روحه وفارق الدنيا، ومنها اليائس، ومنها الكافر، ومنها الضال عن منهج الله؛ إذ حياة أولئك أشبه بموته، والعياذ بالله.

واليائس عاجز عاجز، لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا؛ لا لأنه مسجون أو مقهور بل لأنه قد سجن نفسه بتصوّره أن لا فائدة مِن الإصلاح ولا رجاء في الخلق، ولا خير عند الناس.

والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم ييأسوا، بل دعوا إلى الله تعالى بعزم وجد سنوات طويلة وبعضهم دعا قرونًا كنوح عليه السلام، وقد كانت حصيلة الدعوة ضئيلة في بعض الأحيان، كما اخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - [يأتي النبي ومعه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي وليس معه أحد] [5] .

وقد أخبر الله تعالى عن نوح بعد أن دعا ألف سنة تقريبًا أنه {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [6] .

و"مِن المؤثرات النفسية التي واجهها الدعاة ويستشعرون بها، ويجدون الكثير ممن يُحسبون على الإسلام يتشدقون بها ويرفعون لواءها المؤثر التيئيسي الانعزالي الذي يقعدهم عن مسؤولية الدعوة ويثبطونهم عن فرضية الجهاد ويدفعهم إلى عزلة المجتمع والركون إلى الاسترخاء والانطوائية ... وهذه"

(1) ضيق العطن: قِلة الصبر، وقلة الحيلة عن الشدائد.

(2) سليمان بن مهران، أحد الأئمة الحفاظ، وكان من العسرين في الرواية، الذين يضيقون بالناس ويؤثرون اعتزالهم، وله في ذلك كحكايات عجيبة. انظر سيرته في (سير أعلام النبلاء) : 6/ 226 وما بعدها.

(3) قال الحافظ الهيثمي - رحمه الله:"رواه أحمد والطبراني وإسناده جيد". انظر (مجمع الزوائد) : 10/ 277.

(4) (نزهة الفضلاء) : 2/ 741.

(5) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من كوى أو كوى غيره.

(6) سصورة هود: آية 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت