فهرس الكتاب
الظاهرة من التيئيس والتثبيط إذا استفحلت في أمة وترسخت في نفسية الدعاة فإنها - في الحقيقة - القاصمة التي تقصِم مسيرة العمل الإسلامي، والحالقة التي تحلق التفاؤل بالنصر، فلم يبقَ لإقامة العزة الإسلامية في النفوس رجاء، ولم يعد لاستعادة الأمجاد التاريخية أمل" [1] ."
ز / الخوف:
وهو داء قتّال، إن أصيب به الثقة ضعف ضعفًا عظيمًا وخارت قواه ووهت عزيمته، وقد ينوع عنه لقب الثقة إن غلبه الخوف؛ إذ من شروط ثقات المسلمين أن يكونوا متوكلين على الله تبارك وتعالى في شؤونهم كلها، والخائف ليس متوكلًا؛ إذ هو يخاف من مجهول المستقبل على نفسه، أو ماله أو عياله، أو وظيفته فيصبح في هاجس دائم وخوف مستمر قد يملك عليه أرجاء نفسه فينسحب مِن جنة الدنيا إلى صحرائها، ومن نعيم التوكل إلى جحيم القلق، فينتهي به الحال إلى عجز مطلق مستمر، وذل دائم - والعياذ بالله - لا يزول إلا بزواله ولا ينتهي إلا بنهايته.
إن الناظر إلى ثقات المسلمين قديمًا وحديثًا ممن نصبوا أنفسهم للإصلاح والتغيير لا يكاد يجد فيهم خائفًا خوفًا مؤديًا به إلى الانقطاع والعجز، إنما قد تعتري أحدهم وساوس ينفيها بقوة توكله وعظيم إيمانه، وكان الله تعالى معه: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [2] .
وهذا الخوف يعظم حال الفتن والمصائب، لكنها"سنة الله القديمة في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة وليكونوا لها أهلًا: أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم، وأن يلقوا في سبيلها العَنَت والألم والشدة والضر، وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة، حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم لم تزعزعهم شدة ولم ترهبهم قوة، ولم يهنوا تحت مطارِق المحنة والفتنة ... استحقوا؛ لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف، وتحررت من الذل، وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدَعَة والرخاء، فهي عندئذ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة، وأرفع ما تكون عن عالم الطين {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [3] " [4]
ح / الغموض:
هو هالة تحيط بالمرء فلا يعود يُعرف ماذا يريد، ولا ما هي أهدافه، ولا يستطيع المرء معرفة أو تحديد طريقة حياة ذلك الشخص أو كيف يفكر، وقد ينشأ هذا الغموض من ظرف نفسي خالط ذلك الثقة فغمض حاله وجُهل فصار يؤثر العزلة والانقباض مثلًا، أو قد ينشأ هذا الغموض من سبب خارجي كهيأة أو خلْقة أو لباسٍ غريب عن مجتمعه، أو كل ذلك جميعًا.
والغموض الملازم للشخص مؤد به إلى العجز ولا ريب، إذ سيتجنبه الناس فلا يخالطونه، ويخافونه ويحذروه، ولا يوادّونه، فيجب على من اُبتلي بهذه الصِفة أن يسارع إلى التخلص منها قدر المستطاع حتى يعود مشاركًا للناس في حياتهم على الوجه الذي يكفل دعوتهم وإصلاحهم.
ط / التردد:
(1) (عقبات في طريق الدعاة) : 222.
(2) سورة طه.
(3) سورة البقرة: آية 214.
(4) (طريق الدعوة) : 351 - 352.