ورغم كلامه هذا، فقد أجاز الشنقيطي التقليد بالمعنى الاصطلاحي الذي قدمناه وذلك في حال الضرورة، فقال رحمه الله(لاخلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكامًا غير أحكام الاختيار. فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء صحيحًا حقيقيًا، فهو في سعة من أمره فيه. وقد استثنى الله جل وعلا، حالة الاضطرار في خمس آيات من كتابه، ذكر فيها المحرمات الأربع التي هى من أغلظ المحرمات، تحريمًا وهى الميتة والدم ولحم الخنزير وماأهلّ لغير الله به. فإن الله تعالى كلما ذكر تحريمها استثنى منها حالة الضرورة، فأخرجها من حكم التحريم. ــ ثم ذكر الآيات، وقال ــ وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيًا، بحيث يكون لاقدرة له البتة على غيره مع عدم التفريط لكونه لاقدرة له أصلا على الفهم.
أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم.
أو هو في أثناء التعلم ولكنه يتعلم تدريجًا لأنه لايقدر على تعلم كل مايحتاجه في وقت واحد.
أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة. لأنه لا مندوحة له عنه.
أما القادر على التعلم المفرط فيه. والمقدم آراء الرجال على ماعلم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور) (أضواء البيان) 7/553 ــ 555.
5 ــ الراجح في مسألة الاتباع والتقليد - والله أعلم - أن الاتباع واجب على كل مسلم ولايجوز التقليد إلا للضرورة كما قال ابن القيم والشنقيطي وغيرهما، وهذا الرأي مبني على مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن الله تعالى يقول (ولاتقف ما ليس لك به علم) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة علي كل مسلم) . فهذا خطاب لجميع المؤمنين لافرق بين عالم وعامي، فالكل مخاطب بألا يتبع ما ليس له به علم، والكل مخاطب بطلب علم ماوجب عليه، وهو فرض العين من العلم. والعلم هو الدليل الشرعي كما ذكرنا، فمعرفة دليل القول والعمل واجب على كل مسلم، وهذا هو الاتباع.