محمد بن مبارك حسن الطواش
11/ 08/1422هـ
مقدمة:
إن من طبيعة النفوس أن تفتر وتمل، وأن تتعب وتكل، سيما مع طول الزمان، ومغريات الحياة، كثرة متع الدنيا، وصد الشيطان. وحينئذ تضعف النفس عن أداء الواجبات، والقيام بالطاعات، كما يقل تأثّرها بها، واستفادتها منها.
ومن حكمة الله ورحمته أن جعل لها ما يقوي ضعفها، ويشحذ عزمها، ويزيد من إيمانها؛ وذلك من خلال التفضيل الذي خصّ به بعض الأزمنة والأمكنة .. (بادحدح رمضان نفحات ولفحات ص6)
ومن الأزمنة الفاضلة: عشر ذي الحجة، وعاشوراء، ورمضان ..
ودرسنا هو عن فوائد و أسرار الصيام، تلك العبادة العظيمة التي جعلها الله ركنا من أركان الإسلام، وفرضها الله على المسلمين ليس يوما واحد؛ بل 30 يوما، وكل عام.
[وقد كتب الله الصيام فرضا محتوما في دينه الحنيف في قديم الزمان من الأمم السابقة، فلذلك قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 183، فهو ليس إيجابا مختصا بهذه الأمة؛ بل هو فريضة دينية قديمة، وذلك لأهميته، وعظيم أثره على النفوس" (بتصرف /الدوسري صفوة المفاهيم ص8) "
لقد تكلم العلماء والمربون عن الفوائد التربوية من الصوم، حتى أنه أطلق عليه مدرسة الصيام، لما قيه من الفوائد الكثيرة التي تعتبر مصدرا من مصادر التربية.
وعبادة بهذه الأهمية والفائدة؛ يجب علينا أن نتلمس الفوائد التي فيها، ونحاول الاستفادة منها، إننا نرى أصحاب الدورات التربوية أو الإدارية .. ، قبل الدخول في دورة من الدورات؛ يقوم المقدمون بعرض مزايا هذه الدورة، وما فيها من فوائد، ونحن مقبلون على عبادة؛ أشبه بدورة، ومدرسة، يتربى فيها المسلم على مجموعة من الفضائل، ويتخلى عن مجموعة من الرذائل. فينبغي علينا أن نتعرف على هذه الفوائد و الأسرار.
(1) التقوى:
وهي المقصد الأسمى من فرضية الصوم، كما نطق بذلك الحق سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} (البقرة183)
وهذه الغاية المرادة بالصوم هي الغاية من العبادات جميعا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة 20) .
والتقوى هي الخشية، قال تعلى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} (النساء 1) ، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} (106الشعراء) يعني: ألا تخشون الله.
والتقوى وإن كانت بمعنى الخشية، إلا إنها وردت في القران على معاني؛ منها:
الإيمان والشهادة، كما قال تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الفتح 26)
ومنها: التوبة، قال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف96)
ومنها: الإخلاص، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (32الحج) (الرازي، تفسير فتح الغيب ج2ص20)
وحقيقة التقوى أن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، يعرف عظمته وقهره وجبروته وقدرته فيخاف منه ويفزع، فيحذر أن يقع في معصيته، ويعرف رحمته ومغفرته ونعمه التي لا تُحصى، وما أعد لعباده المؤمنين؛ فإذا به يسارع إلى رضاه، ولا ينال العبد التقوى إلا بالمداومة على الطاعة، وإقامة الفرائض، والزيادة من النوافل. (الأشقر الصوم في ضوء الكتاب والسنة ص6)
فالتقوى إذًا حذر وتوقي لأسباب العذاب، وعند خواص المؤمنين: حذر وتوقي لأسباب البعد عن الله؛ كالذي يسير في طريق فيه شوك؟ يحذر أن يقع فيه. سأل عمر أبي بن كعب: ماهي التقوى؟ قال إبي: يا أمير المؤمنين: أما سلكت طريقا ذات شوك؟ قال: بلى. قال: فماذا صنعت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى (تفسير ابن كثير)
فالمتقي يحذر من شوك الطريق؛ الذنوب والمعاصي أو حتى المباحات؛ التي تحول بينه وبين ربه، فدائما هو في حذر، إن خطى خطوة قال: ما أردت بهذه الخطوة؟ إذا رأى امرأة خاف من ربه، وصرف بصره، .. فهو دائما يستشعر رقابة الله عليه ويخافه ويتقيه؛ في فعله وتركه، وقيامه وقعوده، حتى في أكله وشربه، هذا غلام لأبي بكر مملوك، يأتيه بكسبه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: ما هو؟ قال: كنت تكهّنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكِهانة، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه!!