نرى حياة كثير منا فوضى، وعدم التزام بالمواعيد والأوقات، فإذا جاء رمضان أعطانا هذا الدرس العجيب في دقة المواعيد، والنظام والمحافظة عليه، ولو وقفنا أمام مثال واحد نرى كيف أن رمضان يعلم الناس النظام والدقة: قال النبي:"إذا أذن بلال فلا تمسكوا، ولكن أمسكوا إذا أذن ابن أم مكتوم"خ/م
كم الفرق بين أذان ابن أم مكتوم وأذان بلال؟ قال الراوي: ما بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا"إذًا هي بضع دقائق."
انظر كيف كان النبي يعلم أصحابه أهمية الوقت والدقة في المواعيد؛ فالصيام في وقت، والإفطار في وقت ..
والأدق من هذا لو أن صائما لم يتقيد بالمواعيد؛ وتناول طعاما قبل الغروب بدقيقتين .. عامدا فإن صيامه يبطل. (العمر ص 50)
أرأيت كيف يربينا الصيام على الدقة في المواعيد؛ حتى نحافظ على أوقتنا؛ التي هي أعمارنا.
وكم نرى من الصائمين من تأثّر بهذا الدرس؛ إذا دخلت على الموظف في مكتبه في وقت فراغه تجده يقرأ القران، وكذلك المُدرِّسة بين الحصص .. ، حتى الطلاب في المدارس .. ؛ تجد الجميع لديه الحرص للاستفادة من الوقت و هو صائم. ولكن كم نتمنى أن يستمر منا هذا الحرص في ليل رمضان!! وأن يمتد أيضا هذا الحرص والمسابقة إلى الخير ما بعد رمضان؛ فإن المسارعة إلى الخير مطلوبة من المسلم كل وقت، قال الحق سبحانه: {فاستبقوا الخيرات} (البقرة 148/ المائدة 48) يعني: بادروا إلى فعل الخيرات، كُن من السابقين في الدنيا إلى الخير؛ حتى تكون منهم في الآخرة.
والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات؛ فإن الاستباق إليها يتضمن: فعلها، و تكميلها، و إيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها. فمن سبق في الدنيا إلى الخيرات؛ فهو السابق في الآخرة إلى الجنات. (تفسير السعدي ج1ص186)
إن الصيام لا يربينا فقط على الحفاظ على الوقت؛ بل وعلى الدقة فيه، والإستفادة منه؛ فقال الله عز وجل: {أَيَّامًا مَعْدُودَات} (لبقرة 184) يُذكّرنا ربنا أن رمضان أياما قلائل عزيزة و نفيسة؛ لا تلبث أن ترحل.
فمن المؤسف أن ترى بعض الناس في رمضان؛ يقضون أوقاتهم فيما لا فائدة فيه، بل ربما فيما يعود عليهم بالإثم، يفعلون ذلك في هذه الأيام الفاضلة؛ التي تُفتّح فيها أبواب الجنان، وتُغلّق فيها أبواب النيران!! فأي خير حُرم هؤلاء؛ قال النبي ..: أتاني جبريل فقال: يا محمد! من أدرك رمضان فلم يُغفر له؛ فأبعده الله. فقلت: آمين. (أخرجه ابن حبان وهو حديث صحيح)
فعلى المسلم أن يغتنم وقته في رمضان؛ فيما يُقرّبه من ربه، ويُبعده عن سخطه، ومن ذلك أن يضع لنفسه جدولا بالأعمال التي يُريد إنجازها في هذا الشهر؛ من قراءة للقران، أو كتاب نافع، أو زيارة لقريب أو أحد الجيران، أو تفطير لصائمين، أو توزيع شريط أو مطوية على الأهل والجيران. كل ذلك إذا كان عن تخطيط وتفكير مسبق؛ كان أنفع.
(4) التذكير بالغاية من خلق الإنسان:
في زحمة الحياة وملذاتها؛ واستمتاعه بزينتها؛ من مأكل وشرب ومنكح .. ؛ يغفل الإنسان عن غاية وجوده وسر حياته، وتتحول هذه الملذات والشهوات إلى إلف يألفه، لا يكاد يستغني عنه،"وهذا الإلف متى طال أمده فإنه يُعبِّد الإنسان لهواه وشهوته، وينسيه الغاية من خلقه، والتي من أجلها أوجد الله له الطعام والشراب والزوج كي يستعين بها على طاعة ربه وخالقه."
فإذا أصبحت الأمور؛ الوسائل؛ هما للإنسان وغاية، يعيش لها، وينام عليها، ويصحو يفكر فيها، عند ذلك تأسره هذه الملذات، ويصير عبدا لها، وبذلك يتحقق فيه قول النبي ..:"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس ..".
وما أحسن ما قاله المناوي موضحا هذه الحكمة، قال: إنما شُرع الصوم كسرا لشهوات النفوس، وقطعا لأسباب الاسترقاق والتعبد للأشياء، فإنهم لو داوموا على أغراضهم لاستعبدتهم الأشياء، وقطعتهم عن الله، والصوم يقطع أسباب التعبد لغير الله، ويورث الحرية من الرق للمشتهَيات، لأن المراد من الحرية: أن يملك الأشياء ولا تملكه، فإذا ملكته فقد قلب الحكمة، وصير الفاضل مفضولا، والأعلى أسفلا: {قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين} (الأعراف 140) والهوى إله معبود، والصوم يورث قطع أسباب التعبد لغير الله. إهـ (الأشقر 9)