فهرس الكتاب
تجلى نضجُ الفتى طه حسين منذ الطفولة قبل أن يفقد بصره في حوالي السنة الرابعة من عمره.. تجلّى هذا النضج أكثر عندما دخل الأزهر عام 1902م،إذ ضاق عقل الفتى بطرق الأزهر في التلقين آنذاك فراح يسأل ويلح في السؤال،وتحول السؤال إلى تمرّد، وجعله يخرج من الأزهر لأنه طالب بإصلاحه والعودة به إلى ايامه الزاهرة.
ترك الأزهر ليلتحق بالجامعة المصرية التي افتتحت لتوها عام 1908م، وتقّبلته طالبًا منتسبًا.. صار يسمع في الجامعة غير ماتعود أن يسمع في الأزهر، علومًا عصريّة،وتفتحّت مواهبه..
وبعد فترة شعر أن الجامعة الوليدة ضاقت عن تطلعه وطموحه وابتعد به الخيال إلى (باريس) في بعثةٍ عن طريق الجامعة وماأكثر العقبات التي وُضعت في وجهه، ولكنه صمد لكل التحديات واستطاع أن يكون أول طالب يتخرج من الجامعة بحصوله علىشهادة علمية -دكتوراه- حضّرها وقدّمها دون إشراف من أستاذ عام 1914، تحت عنوان"تجديد ذكرى أبي العلاء".
تحقق حلمه ليسافر إلى باريس مع أخيه واشتدت عليه الصعوبات، واختلف مع أخيه وافترقا،ولكنه أحسَّ بأنه حقَّق شيئًا عظيمًا بوصوله إلى فرنسا، لتبدأ هناك المرحلة الأهم من حياة الفتى الذي وجد في باريس العلم والثقافة والتفتح، والتقى إضافة إلى ذلك الزميلة والمدرسةالفرنسية ( سوزان) عام1917،الفتاة التي كان لهامن عمق الفكر وسعة الثقافة وما أهلّهالإدراك المهمة التي شعرت أن الرجل يضعها أمامه في المستقبل مهمة إيقاظ العقول - كما ظهرت بعدئذٍ في معظم كتاباته.
طه حسين لم يكن قد أنهى مرحلة اليفاعة حين شرع يكتب في الصحف ضد الرجعيين، واساليب التلقين البالية في التعليم وكان أول ما هدف إلى تحطيمه هو التقاليد،وليس صُدفة أن نجد ( السياج) رمز التقاليد في الصفحات الأولى من كتابه الشهير [ الأيام] (1) الذي كان مع كتابه الآخرعن الشعر (الجاهلي) تعبيرًا عن مرحلة التحدّي التي عاشها طه حسين منذ أول الشباب . لقد تبّدى القلق والتحدي عنده عندماارتحل من الصعيد إلى الأزهر ثم تركه ليلتحق بالجامعة المصريةدارسًا آنذاك ،ثم يتركها كي يعود إليها، بعد رحلته إلىباريس محاضرًا فعميدًا فرئيسًا بعد أن قضى ثلاثين عامًا من حياته تلميذًا طالبًا للعلم ليقضي بعدها ثلاثة وثلاثين عامًا بين أستاذ في الجامعة أو عميد لكليَّة الآداب، أو وزير معارف أو رئيس تحرير لصحيفة مشهورة وبعدها عاش حوالي عشرين عامًا فيمايشبه العزلة ليكتب بقية [الأيام] .