فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 132

قال ( جان جاك روسو) :"أحسستُ قبل أن أفكر"وجاء طه حسين ليقول:"تألمت قبل أن أفكر".. في البدء كان الألم عند طه حسين وجاء الفكرعنده ليقهر الألم لأنه آمن منذ بداية حياته أن الفكريبدّد الألم، ويذلل العقبات، وكان يقول علىغرار أستاذه ( ديكارت) :"أنا أتألم إذن أنا موجود"لكن ثقته العميقة بنفسه قادته إلى قهر الألم، كما قادته إلى أن يُقارن نفسه بشواطئ النيل الرطبة التي حين يُضغط عليها تنبع ماءً.. ولم يكن الألم عنده وليد ثقافة تأثر بهاوإنّما كان حياة يعيشها، ابتداءً من فقد البصر المبكر والصراع ضد التقاليد (السياج) ثم الصراع مع الأزهر ثم ألمه -وهوالريفي البسيط فاقد البصر - في التأقلم مع أجواء جامعةالسوربون في باريس،وقاده هذاالصراع مع الألم والانتصار عليه إلى موقع لا يبلغه إلاّ القليلون،موقع الرجل الذي يفكر ويطبق ما يفكر به، يأتي بنظرية ثم يُبدع في تطبيقها.

لقد كان شعوره بالألم الناتج عن ظلم القدر، وظلم المجتمع حادًا، ولكنه أدرك أن قدرته على العطاء مرهونة بسلامة الإدراك لذلك مارس على نفسه ضبطًاعظيمًا فرّوضها وانتصر عليها، لأنه كان يعرف أن الانتصار في الحياة لايتم إلاّ عن طريق الانتصار على النفس.

إن كتابه الرائد (الأيام) يُعطيناصورة عن صراعه مع الألم، لأنه يلخص لنا سيرة حياة إنسان غالبَ مافي ذاته من عوائق وانتصر عليها، وصارع ما حوله من شروط مُعيقة وانتصر، ونتعلم منه أن الظروف قابلة لأن تتبدّل لصالح الإنسان بالعمل والدأب والصدق مع الذات.

إن طه حسين صارعظيمًا رغم فقدان البصر بالإرادة والعمل والتصميم، ولم يهدر حياته بتأفف ويندب حظّه العاثرلأنه"كان مع نفسه حين يشقى في سبيل مايرى أنه الحق وكان ضدها إذا شعر أنّها صانعت أوداجت أو جهرت بغير ما تؤمن به ،أو آثرت رضى السلطان على رضى الضمّير" (3) .

طه حسين الرائد:

كان طه حسين أول من حصل على إجازة علمية من جامعة عربيةحضرها ليقدمها بنفسه دون إشراف من أستاذ ونوقشت بين يدي الجمهور عام 1914 وأوفدته الجامعة المصرية إلى باريس في العام نفسه مكافأة له علىاجتهاده في تحضير رسالته عن أبي العلاء المعري،"تجديد ذكرى أبي العلاء".

وكان في باريس أول من اكتشف من العرب جوانب العظمة عند العلامة العربي- ابن خلدون- عندما حضّر رسالة للدكتوراه باللغة الفرنسية عن"الفلسفة الاجتماعيةعند ابن خلدون"تحت إشراف عالم الاجتماع الفرنسي الشهير: دوركهايم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت