فهرس الكتاب
ولعل هذا القول يمثل أحد المفاتيح الهامة في دراسة هذا الرجل والمفتاح هو: العلاقة السيئة مع كل شيء جامد بدءًا بأسلوب التلقين في التعليم وانتهاءًا بالسلطة المستبدة.
هذا المنفي خلف جدار فقدان البصر الرهيب، يصرُّ على التحدي والمجابهة حتى تتجاوز دعوته إلى التحرر مصر وتنتشر في الوطن العربي دعوة يتصل فيها العلم بالعمل لأن صاحبها رجل ثقافة مُقاتل كان العلم عنده هو الشجرة والعمل هو الثمرة...ولأن موقفه من الحياة كما لخصّه في إيجاز بالغ في أحد مقالاته هو- حبٌّ للمعرفة وصبر علىالمكروه- ظل يغذي هذا الموقف بسلوكه ومواقفه ،فحب المعرفة هذا لا يطفئه اكتساب العلم وإنمايزيده قوّة وشدةً ،وإذا كانت حاجةً مًن عاش لا تنقضي، فحاجة من ذاق المعرفة للمعرفة أشدّ الحاجات إغراءً بالاستزادة، وهذا الظمأ الشديد للمعرفة وإدراك قيمتها في تقدم الشعوب،جعل طه حسين بطل تحديث التعليم في مصر العربية ثم في الوطن العربي بعد ذلك.
العلم من أجل كل الناس:
اقترن اسم طه حسين في تاريخ مصربأنه أبو مجانّية التعليم وبأنه أبو الجامعات فهو الذي أنشأ جامعةالإسكندرية عام 1944 وأنشأ جامعة عين شمس أثناء توليه الوزارة عام 1950ووضع نواة جامعة ( أسيوط) وهو الذي وحدّ التعليم في مرحلته الابتدائية فحوّل كتاتيب القرون الوسطى إلى مدارس ابتدائية تُعلّم فيها مبادئ العلوم الحديثة،وخلال عامين من توليه وزارة المعارف 1950-1952بلور اتجاهه بإنصاف - المعذبين في الأرض- في سلسلة من التشريعات الديمقراطيةكان أهمها:مجانية التعليم،وتقرير تغذية التلاميذ في المدارس على نفقة الدولة، كماكان منذ ثلاثينات هذا القرن وراء تحويل المدارس العليا للزراعة والتجارة والطب البيطري إلى كلّيات جامعية. وإدماجها في جامعة القاهرة - الجامعة المصرية يومئذٍ فاستحدث ثورة ونسف لغمًا ضد الرجعية التعليمية التي ربطت التعليم باحتياجات الرجعية والتي يسوؤها أن يتعلم المواطنون وأن يفكروا تفكيرًا حرًا...!
وإذا كان طه حسين من أوائل الذين فجروا الصراع بين ديمقراطية التعليم ورأسمالية التعليم فإن ذلك في الحقيقة كان صراعًا سياسيًا بين الذين يريدون التعليم من أجل الجماهير سلاحًا بيدها لتغيير واقعها ،وبين أولئك الذين يريدون لأبناء الشعب أن يكونوا مجرد آلات جاهلة تخدم الإنتاج العائد للرأسماليين والاقطاعيين.
مواقف في حياة طه حسين: