فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 132

هذا الموقف الشجاع جعل كبار الحاقدين يطالبون بالانتقام من سقراط حين زعم أحدهم أنه أفسد له ابنه عندما كان تلميذًا عنده، ونجح هؤلاء الأعداء جميعًا في تقديم سقراط للمحاكمة عام 399ق.م .... وبعد محاكمة صورية صدر الحكم بإعدام سقراط في فترة الحج عند اليونانيين وكانت العادة أن لا يُنفذ حكم الموت أثناء هذا العيد ولذلك كان علىسقراط أن ينتظر في السجن حتى تنتهي فترة الحج،وكان أصحابه وتلاميذه يختلفون عليه بالسجن كلَّ يوم وكانوا يزينون له الفرار من سجنه ولكنه رفض لأسباب سيذكرها عند مرافعته ضد أعدائه حين طالبت المحكمة سقراط أن يُدافع عن نفسه بعد الحكم عليه بالإعدام بدأ بالاعتذار عن أسلوبه الذي لا زخرف فيه، وقال انه لايحب البلاغة ،ولا يعرف أبلغ من الحق ،وأخذ يُفند مزاعم ( أرستوفانس) في أنه يتقاضى أجرًا عن التّعليم، وأنه يُفسد الشباب....

أما عن إفساد الشباب فإنهم يأتون بمحض إرادتهم.... وعن أجر التعليم فهو كلام باطل لا يحتاج إلىردّ .. وكان يمكن لسقراط أن يتجنّب التهم والمحاكمة لأنه بريء ولكنه إيمانًا منه برسالته أراد لنفسه أن يبقىمثلًا للتضحية من أجل الواجب الذي يؤمن به ورمزًا للثبات على المبدأ ومن أجل تأكيد ذلك سنورد بعض أقوال سقراط نفسه لقضاة محكمته:"....يارجال أثينا إن حكمتم ببرائتي فلن أغير من سيرتي لكني أستمرفي أداء رسالتي لأن هذا هو واجبي ،ولا ينبغي أن أتخلى عنه ولو أدّى ذلك إلى الموت فالرجل لا ينبغي أن يتدبر أمرحياته أو موته ولا يجوز أن يهتم إلاّ بما يقدمه من خير للناس،ومع أنّي كسائر البشر خلقت من لحم ودم،ولي زوجة وأولاد فلن أحضرهم أمامكم كما يفعل غيري ليتوسلوا إليكم ويطلبوا براءتي، وأنا لا أفعل ذلك اعتدادًا بنفسي، أواحتقارًا لكم بل لاعتقادي أن مثل هذه التصرفات تقلل من قدري وتحطُّ من شأنكم وتجلب العار على أثينا هذا إلى أنني اعتبر أنَّ من الحماقة استجداء القاضي بدل إقناعه فليس على القاضي أن يمنح العدالة ولكن عليه أن يكون عادلًا لا يتبع هواه...." (3) .

هكذا أنهى سقراط دفاعه المجيد وتمسّك بمواقفه وأصرّ علىرأيه فحكم عليه القضاة بأغلبية ضئيلة وقبل الحكم رابط الجأش وعندما طلب إليه التعقيب على الحكم قال:".. (( أيّها الأثينيّون لقد حكمتم عليّ بالإعدام وهذا لا يحزنني بل يُسعدني لأنني انتصرت على أعدائي . أفضل أن أموت حرًا على أن أعيش عبدًا..."(4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت