فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 326

بل إننا نستطيع أن نقول أن جمال عبد الناصر قد كبح، وقلل من جموح عداء الحركة القومية للدين، مما جعل مفهوم الحركة القومية في مصر يختلف عنها في الشام والعراق، لكي تكون أكثر تصالحا مع الإسلام.. ولكن ما وقع فيه من خطأ فادح، أنه لم يدرك أن الحركة القومية كلها إنما هي حركة ضد الدين نشأت في أوربا مناقضة للكنيسة ثم زرعتها أمريكا في لبنان في العقد الرابع من القرن التاسع عشر عندما أنشأت الكلية الأمريكية في بيروت، وكان كل تلاميذها الذين تكفلوا بعد ذلك بنشر الفكر القومى من المسيحيين. وكان تركيز القوميين على ثلاث عواصم: إسلامبول: لنشر القومية الطورانية.. ومكة لنشر فكرة القومية العربية.. والقاهرة لنشر فكرة القومية الفرعونية (!!) .. كما امتد نشاط القوميين الصليبيين إلى البلقان..وكان الهدف المعلن هو التحرير والتنوير وكان الهدف المبطن هو القضاء على الدولة الإسلامية الكبري والمزيد من التفتيت تمهيدا لغزو العالم العربي كله.. وهو ما حدث بالفعل .. حين تفككت الدولة الإسلامية الكبري إلى أكثر من ثلاثين دولة.. ثم تم تفتيت العالم العربي إلى أكثر من عشرين دولة.. ثم تم احتلال الجميع.

لم يفطن جمال عبد الناصر إلى ذلك .. مما أوقعه في الخطأ القاتل الذي قضى على تجربته قضاء مبرما مكررا في مأساة فاجعة تجربة محمد على. لم يفطن إلى النظرة الشاملة التي تجعله يدرك أن الصراع ليس بين مصر وانجلترا.. ولا بين العرب و إسرائيل.. و إنما هو صراع بين الإسلام من ناحية وبين المسيحية الصهيونية من ناحية أخرى.. كانت حربا عالمية استعد لها استعداد دولة من دول العالم الثالث تحارب دولة أخرى من دول العالم الثالث ومن ثم كان لابد لهزيمته - وهزيمتنا معه- أن تكون كاسحة فادحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت