فهرس الكتاب
ويواصل الدكتور المسيري تطبيق نظريته الفذة على قطاع المثقفين فيقرر أن بعض قطاعات النخب الحاكمة والمثقفين في العالم الثالث قد تتحول إلى جماعات وظيفية (عميلة) تعمل لصالح الإمبريالية أو النظام العالمي الإمبريالي الجديد. فهؤلاء يمكن استيعابهم من خلال الشبكة الاقتصادية والثقافية الضخمة (شركات متعددة الجنسيات ـ مؤسسات بحوث ـ مؤتمرات علمية ـ مشاريع بحثية مشتركة... إلخ) . وهذه القطاعات يتم عزلها عن مجتمعاتها بحيث تصبح غريبة، فتكون داخلها ولكنها ليست منها. ويمكن أن تكون العزلة فعلية كأن يعيش أعضاء هذه القطاعات في منازل توجد على أطراف المدينة أو في أحياء خاصة ذات طُرُز معمارية معينة (عادةً غربية) أو يرتدون أزياء غربية ويتحدثون بالإنجليزية أو العربية المطعمة بالإنجليزية. كما أن شبكة المصالح العالمية تستوعبهم فتصبح مصالحهم الاقتصادية مرتبطة بالآلة العالمية وباستمرارها وباستمرار مؤسساتها الثقافية. ولكن العزلة يمكن أن تتم بشكل أكثر تبلورًا وتركيبًا فتأخذ طابعًا نفسيًا فيحس المثقف بالعزلة عن مجتمعه وبعدم التجذر فيه وبالغربة عنه، ويحس عضو النخبة السياسية بعدم الانتماء لبلده، كما أنهما ينظران إلى أهليهما نظرة دونية حيث يشعران بتخلف المجتمع الذي يعيشان فيه وبحاجته إليهما (مركب الشعب المختار) . كما أنهما يمارسان هذا الشعور عادةً بسبب إيمانهما بأيديولوجيا تُجسِّد نماذج معرفية وأخلاقية مستوردة متحيِّزة ضد واقعهما. ورغم أنهما قد يتحدثان بلغة بلدهما، إلا أن خطابهما السياسي يبدأ في التحول التدريجي حتى لا يفهمه سواهما ويصبح أداة للعزلة عن الجماهير لا للتواصل معها.