فهرس الكتاب
دعنا من الخلفاء الراشدين المكرمين، ولنتجاوز الزمن سنين عددًا، فهاهو هارون الرشيد الخليفةُ العباسيُ العظيم الذي أذلَّ القياصرة وكسرَ الأكاسرة والذي بلغت مملكته أقاصي البلاد شرقًا وغربًا يخرج يوما في موكبهِ وأبهته فيقول له يهودي: يا أمير المؤمنين: اتق الله!! فينزل هارونُ من مركبه ويسجدُ على الأرض للهِ ربِ العالمين في تواضعٍ وخشوع، ثم يأمرُ باليهودي ويقضي له حاجته، فلما قيل له في ذلك!! قال: لما سمعت مقولتَه تذكرتُ قولَه تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة:206] فخشيت أن أكون ذلك الرجل، وكم من الناس اليوم من إذا قيل له اتق الله احمرتْ عيناه، وانتفختْ أوداجه، غضبًا وغرورًا بشأنه، قال ابن مسعود رضي الله عنه: كفى بالمرء إثمًا أن يقال له: اتق الله فيقول: عليك نفسَك!! مثلكُ ينصحنُي!!.
قال الحسن البصري (رحمة الله) : إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته.
كان توبة بن الصمة من المحاسبين لأنفسهم فحسب يومًا، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفي كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خر مغشيًا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلًا يقول: (يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى.