فهرس الكتاب
5 -ومن الخصائص في تشريع فريضة الصيام: أنها جاءت متدرجة حيث إنها مرت بمراحل قبل أن تفرض شهرًا كاملًا هو شهر رمضان، وكان من التدرج في الصيام أنه فُرض على الناس قبل أن يُفرض صوم رمضان أن يصوموا يوم عاشوراء، فهو يوم كان يصام في الجاهلية، وصامه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم فُرض صيامه على الناس قبل أن ينزل القرآن بفرض الصيام، وقد انتهت فرضيته بفرض صيام رمضان لكن صوم يوم عاشوراء بقي صيامه في الإسلام سنة، وقد أشار العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله إلى أن الصيام لم يفرض «إلا بعد أن هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمسلمون إلى المدينة، وانقضت أيام العسرة والمحنة وتهيأت لهم أسباب العيش حتى لا يقول قائل: إن الصوم كان اضطراريًا، ومن وحي البيئة والحالة الاقتصادية التي كان يعيش فيها المسلمون في مكة، وأنه من شأن الفقراء والمساكين أو المضطهدين المعذبين، وأن الأغنياء والموسرين وأصحاب الأملاك والبساتين في غنى عن الصوم، ولم يفرضه إلا بعد أن رسخت العقيدة في قلوب المسلمين، وفعلت فعلها، وألفوا الصلاة وهاموا بها، وتلقوا الأوامر والأحكام الشرعية بقبول واستعدوا كأنهم كانوا منها على ميعاد، وقد أحسن العلامة ابن القيم الإشارة إلى ذلك فقال: ولما كان فَطْمُ النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج» [1] .
(1) الأركان الأربعة (183 - 184) ويُنظر: زاد المعاد (201) .