فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 119

6 -ومن خصائص تشريع فرض الصيام: أن تشريعه يعكس وسطية التشريع الإسلامي، فالصوم في الإسلام وسطية واعتدال فهو وسط بين إفراط وتفريط، وسطية تراعي طبيعة التكوين البشري في الإنسان المسلم المكلف بالصوم، والإنسان هو مجموع مكون من الروح والجسد، فالروح لها أشواقها، وصفاؤها، وجاذبيتها وقوتها، فهي تجذب الإنسان إلى أصلها ومركزها، وتذكره بمنصبه، ومركزه، ومهمته، وغايته، وتثير فيه الأشواق والطموح، وتبعث فيه الثورة على المادة الكثيفة الثقيلة، والجسد يجذبه إلى أصله ومركزه التراب بكل ما فيه من كثافة، وثقل، وكل خصائص التراب، والإنسان بذلك تتجاذبه هاتان القوتان: قوة الروح بكل خصائصها وقوة الجسد بكل خصائصه ومكوناته، والإسلام جاءت أحكامه مراعية لهذا التكوين العجيب في الإنسان، فلم تعامله على أنه ملائكة، أو شيطان، فكان التوازن والاعتدال في هذه الأحكام التي راعت فيه جانبه الروحي، كما راعت فيه في ذات الوقت الجانب المادي في تكوينه، فكان الصوم في غاية المواءمة للإنسان في الإسلام فهو ليس وصالًا، وليس حرمانًا من كل شيء، وليس طويلًا بل هو أيام معدودات لها بداية، ولها نهاية، قال العلامة ولي الله الدهلوي: «ثم وجب تعيينه مقداره لئلا يفرط أحد فيستعمل منه ما لا ينفعه وينجع فيه ويُفَرِّطَ مفرط فيستعمل منه ما يوهن أركانه ويذهب نشاطه وَيُنَفِّه نفسه، ويُزِيرُه القبورَ، وإنما الصوم ترياق يستعمل لدفع السموم النفسانية مع ما فيه نكاية بمطية اللطيفة الإنسانية ومنصتها فلا بد من أن يتقدر بقدر الضرورة» [1] ،

(1) حجة الله البالغة (2/ 36) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت