فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 119

وقيل: إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق شهر رمضان أيام رمض الحر فسمي بذلك، وسواء صح هذا أم لم يصح، فإن معنى المادة التي اشتق منها ذلك الاسم يصححه، فإن الإسلام قد جعل لهذا الشهر رمضان حر معنوي لا يفارقه مدى السنين، ولو جاء في أشد الأوقات بردًا وقرًا وذلك هو الصيام الذي افترضه الله على المؤمنين وجعلهم يرتمضون فيه بحر الجوع ليذوقوا مما يذوقه الفقراء والمساكين في كل شهر لا في شهر رمضان فقط، فيواسوهم، ويحسنوا إليهم في شهر رمضان وفي كل شهر آخر لأن الإحساس بالجوع غير وصفه، والشعور بالخصاصة غير الخبر عنها، فشهر رمضان هو شهر القرآن حيث ابتدأ نزوله فيه، وأشرقت شمسه على الوجود في ليلة من لياليه، ومن هنا كان لقاء المسلمين بالقرآن الكريم في شهر رمضان يختلف كثيرًا أو قليلًا عن لقاءهم به في غير رمضان، وذلك لأن شهر رمضان هو موسم القرآن، وهو الظرف المبارك من الزمن الذي اختاره الله تعالى ليكون محملًا لكلماته إلى رسول الإسلام، وإلى أمة الإسلام، ولا شك أن اتصال المسلم بالقرآن في هذا الظرف يضفي على قارئه، أو سامعه كثيرًا من نغمات هذا الشهر، وبركاته، ويجد في نفسه من الانشراح، والإقبال على القرآن، ما تنفتح به أمامه آفاق المعرفة القرآنية الواسعة، وينكشف له من أسرار القرآن ما لم يقف عليه في غير شهر رمضان، وذلك لأن المسلم الصائم وهو يتلو القرآن في نهاره يتلوه وهو صائم، ولا شك أن الصوم يحد من شهوة الجسد، وتتخلص فيه الروح من كثير من قيود المادة المضروبة عليها من الجسد، وكلما قل الطعام والشراب في الإنسان كلما كان أقرب إلى آيات الله وكلماته، فأقرب الناس إلى القرآن من خفت فيه قوة المادة، وثقلت فيه قوة الروح، ولهذا كان شهر رمضان موسم القرآن، ومرد المسلمين إليه جميعًا، ولا شك أن بين الصوم والقرآن صلة متينة عميقة، ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت