فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 119

والشخصية المسلمة في صيامها شخصية رقيقة، متسامحة، متواضعة تهذبت بالصيام، ورقت حواشيها، واستقامت على طريق الانكسار لعظمة الله، والتواضع والذل لكبريائه، فالصوم تهذيب، وتأديب، وتربية، وتطهير وتزكية، والمسلم يستفيد من الصيام عبرًا، ودروسًا كثيرة تعود بالفائدة على نفسه وعلى شخصيته، فهو يعرف أن الإنسان كثير الطغيان، وسريعه، وأن طغيانه أشكال وألوان، فألزمه الله سبحانه الصوم حتى إذا جاع وظمئ ذلت نفسه وانصدع كبره وفخره، وأحس أنه -مهما أدى- فهو عبد مسكين ضعيف، تقعده اللقمة إذا فقدت، وتضعفه جرعة الماء إذا منعت، هنالك يطامن من غروره ويعترف بفضل الله تعالى عليه حتى في كسرة الخبز، ورشفة الماء، ولعل الصائم يفكر في حاله قبيل الغروب ليعرف هذه المعاني، فهو في ذلك الوقت قد ينسى كل أو بعض الأشياء الأثيرة لديه، ولكنه لا يغفل بحال عن كأس الماء خاصة في البلاد الحارة، ولا عن الرطب، أو التمر الذي أمامه والذي يشكل في تلك اللحظات محورًا أساسًا أو مهمًا من تفكيره. وبعد تناول إفطاره يتغير محور اهتمامه وتفكيره وذلك دليل على ضعف الإنسان فكفى بذلك دليلًا على هذا الضعف لمن أراد أن يتدبر، ولمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ومن شأن هذه المعاني أن تجعل المسلم يتعرف إلى ربه حتى إذا عرفه خافه، ومتى خافه استقام على الطريقة، وسار على الجادة، وترك ما كان فيه من بغي، وتطاول، واستكبار، وعلو في الأرض بغير الحق، وآثر مرضاة الله على رضا نفسه، وغرورها، وصار صورة حية لما يعكسه الصوم من معاني الرحمة والإحسان، وتحولت شخصيته إلى شخصية ودودة، حانية، تحب الآخرين، وترحم الضعفاء والمساكين، فيجدون في كنفها الرحمة، والألفة، والمودة، والرفق بهم وذلك كله وسواه من فوائد الصوم التي تنعكس على شخصية الصائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت