في عصر المادية
تشير الإحصاءات المقدَّمة من منظمة الصحة العالمية إلى أنَّ نِسَبَ الانتحار الأعلى في العالم هي في دول الاتحاد السوفيتي السابق وكذلك في بعض الدول الأوروبية الغنية كفرنسا والسويد وسويسرا، فإلى ماذا تشير تلك المعلومة لمن تأملها؟ لا بد من التنويه قبل ذلك إلى أنَّ الإنسان لا يُقدِم على الانتحار إلا إذا وصل إلى مرحلة نفسية معقدة وشعور كبير باليأس والإحباط.
إنَّ تسجيل أعلى نسبة انتحار في دول ترفع راية الإلحاد واللادينية (كدول الاتحاد السوفيتي السابق) وكذلك في دولٍ مشهورة بالثراء والرفاهية والترف (كالسويد: أعلى دخل فردي في العالم) تشير إلى حقيقةٍ لا جدال فيها يفهمها أكثرُ الناس بشكل معكوس، وهي: أن السبيل إلى الراحة والسعادة ليس في التحرر من الدين والانسلاخ منه (الشعوب السوفيتية مثالًا) ، وكذلك ليس في الوصول إلى الشبع المادي بشتى صوره وألوانه (الشعوب الأوروبية مثالًا) ، والتجارب أثبتت صدق هذا الكلام وإنْ ادَّعى الناس خلاف ذلك.
إنَّ الذي يَعْلَمُ ما يُسعِدُ الإنسانَ ويُفرِحُ قلبَه هو الذي أوجده وصنعه وهو الله جل وعلا، فالله تعالى وليس غيره أعلم بحال الإنسان من الإنسان، فلا سبيل للإنسان الباحث عن السعادة والعيش الطيب إلا بمعرفة السبيل إلى ذلك عن طريق خالقه وفاطره سبحانه وتعالى.
فإلى ماذا دلَّنا الله تعالى - وهو أعلم بنا منَّا - لكي تتحقق الحياة السعيدة الهانئة؟
معادلةٌ ربانيةٌ يسيرةٌ إنْ حقَّقها العبد تحقَّقتْ له الحياة الطيبة، هذه المعادلة هي وَعْدُه عزَّ وجلَّ بالحياة الطيبة لمن عمل صالحًا وهو مؤمن، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة النحل / الآية 97، فالآية الكريمة ذكرتْ طرفي المعادلة، الطرف الأول: العمل الصالح والإيمان (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ، والطرف الثاني: الحياة الطيبة في الدنيا بالإضافة إلى الجزاء الأخروي (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً