ومن هذا الموقف الرافض وجدت جماعات إسلامية منتظمة، كما وُجدت تيارات، تجمع العديد من الأفراد، تقف كلها موقف المجانبة لاستخدام المنجزات الحضارية ذات الطابع المدني، في صياغة الحلول الإسلامية لمعالجة الأوضاع المستجدة في حياة المسلمين، وتقويم ما اعوج منها عن السمت الديني المستقيم. وإذا تجاوزنا في التمثيل لذلك ما يروّج على سبيل الدعاية المغرضة من رفض بعض المسلمين لوسائل في الإعلام الحديث، ووسائل في النقل، وغيرها من مكتسبات الحضارة، فإننا نجد بعض المسلمين يتحرزون شديد التحرز من استخدام وسائل التنظيم والإدارة، ووسائل التطبيب والصيدلة، وطرق الاستحضار والاستحفاظ في الأطعمة والأشربة، وغير ذلك مما يمكن أن تتبين فيه المصلحة، وفق الشروط الإسلامية، ولكنه يجري على أساس مكتسبات الحضارة الغربية. وهذا التحرّز الذي يتراوح بين الرفض الجلي، وبين الحذر المفرط، يفوّت في كثير من الأحيان فرصًا مهمة في تنزيل الحقيقة الدينية على الواقع الراهن للمسلمين، ومن ثمّة فإنه يمثل أحد العناصر الفاعلة في هذا الواقع.
إن العوامل الثلاثة التي ذكرناها آنفًا تعتبر من أهم العوامل الفاعلة في واقع المسلمين اليوم، تشكيلًا للبنية الفكرية والنفسية، ودفعًا للأحداث الفردية والاجتماعية ولذلك فإنه لا مناص للناظر في الواقع الإسلامي نظر تفهم واستيعاب من أن تكون هذه العوامل من أدوات الرصد والتحليل لأجل الفهم، وإسقاطها والاستهانة بها يوقع لا محالة في فهم سطحي، لا ينفذ إلى علل الأحداث وأسبابها، ويكون بالتالي مزلقًا في سبيل التقويم الديني لواقع المسلمين، لأن هذا التقويم يرتكز، من بين ما يرتكز على فهم الواقع بصفة أساسية كما بيناه.