فهرس الكتاب
إذا علم ذلك فتناول هذه الخبائث حال الاختيار، يوجب حصول الأثر المطلوب عدمه، فإذا كان المتناول لها مضطرا فإن ضرورته تمنع قبول الخبث الذي في المغتذي به، فلم تحصل تلك المفسدة لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذية، إذا زال الاختيار زال شرط القبول، فلم تحصل المفسدة أصلا، وإن اعتاص هذا على فهمك فانظر في الأغذية والاشربة الضارة التي لا يتخلف عنها الضرر، إذا تناولها المختار الواجد لغيرها، فإذا اشتدت ضرورته إليها ولم يجد منها بدا، فإنها تنفعه ولا يتولد له منها ضرر أصلا، لأن قبول طبيعته لها وفاقته إليها وميله منعه من التضرر بها، بخلاف حال الاختيار، وأمثلة ذلك معلومة مشهودة بالحس، فإذا كان هذا في الأوصاف الحسية المؤثرة في محالها بالحس فما الظن بالأوصاف المعنوية التي تأثيرها إنما يعلم بالعقل أو بالشرع؟ فلا تظن أن الضرورة أزالت وصف المحل وبدلته، فإنا لم نقل هذا و لا يقوله عاقل، وإنما الضرورة منعت تأثير الوصف وأبطلته، فهي من باب المانع الذي يمنع تأثير المقتضي لا أنه يزيل قوته، ألا ترى السيف الحاد إذا صادف حجرا، فإنه يمنع قطعه وتأثيره، لا أنه يزيل حدته وتهيؤه لقطع القابل) انتهى كلام ابن القيم، دار السعادة ص 406
وقد نقلت كلامه بطوله، لما فيه من الفوائد الجليلة، ولأنه أثبت فيه أن فرض وجود مصلحة ومفسدة متعارضتين ومتساويتين من كل وجه، لا يقع البتة، فلابد من أن تكون إحداهما أرجح من الأخرى، فيتعلق الحكم الشرعي بالراجح منهما.
كما أثبت أنه إذا ترجح فعل المصلحة، فإن المفسدة لاتبقى مفسدة بل يذهب أثرها،