الصفحة 24 من 68

فإن قيل لكم: فما قولكم فيما إذا عارض المفسدة مصلحة أرجح منها وترتب الحكم على الراجح؟ هل يترتب عليه مع بقاء المرجوح من المصلحة والمفسدة؟ لكنه لما كان مغمورا لم يلتفت إليه، أو يقولون إن المرجوح زال أثره بالراجح فلم يبق له أثر، ومثال ذلك: أن الله تعالى حرم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، لما في تناولها من المفسدة الراجحة وهو خبث التغذية، والغازي شبيه بالمغتذي، فيصير المغتذي بهذه الخبائث خبيث النفس، فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الخبائث، فإن اضطر إليها وخاف على نفسه الهلاك إن لم يتناولها أبيحت له، فهل إباحتها والحالة هذه مع بقاء وصف الخبث فيها، لكن عارضه مصلحة أرجح منه وهي حفظ النفس، أو إباحتها أزالت وصف الخبث منا فما أبيح له إلا طيب وإن كان خبيثا في حال الاختيار، قيل: هذا موضع دقيق وتحقيقه يستدعي اطلاعا على أسرار الشريعة والطبيعة، فلاتستهونه وأعطه حقه من النظر والتأمل، وقد اختلف الناس فيه على قولين: فكثير منهم أو أكثرهم سلك مسالك الترجيح مع بقاء وصف الخبث فيه، وقال مصلحة حفظ النفس أرجح من مفسدة خبث التغذية، وهذا قول من لم يحقق النظر ويمعن التأمل، بل استرسل مع ظاهر الأمور.

والصواب: أن وصف الخبث منتف في حال الاضطرار، وكشف الغطاء عن المسألة أن وصف الخبث غير مستقل بنفسه في المحل المتغذي به، بل هو متولد من القابل والفاعل، فهو حاصل من المتغذي والمغتذى به، ونظيره تأثير السم في البدن هو موقوف على الفاعل والمحل القابل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت