الصفحة 12 من 27

عند المالكيّة، فلا بُدَّ من مراعاة الأوَّل، أمَّا الثَّاني والثَّالث فهما موطن الخلاف.

وقد بالغ الإمام مالك في سدّ الذَّريعة حتَّى كرّه بعض المندوبات لئلا يعتقد في وجوبها أو سننها، وذلك شأنه في كراهة كُلّ النَّوافل التي تتخذ على طريقة الورد في أيام معلومات، ومن ذلك أنَّه كره صيام السِّتة أيام من شهر شوال، لئلا يعتقد العامّة أنَّها كصيام رمضان واجبة، وأوَّل الحديث: (مَنْ صام رمضان وأتبعه بستة من شوال فذلك صيام الدَّهر) [1] ، على أنَّ المقصود بشوال طول السَّنة أي ما يقابل رمضان، فاستحب صيام النَّافلة دون تحديد يوم أو أيّام معيّنة من السَّنة.

وهذا الحديث مروي من طرق عدّة تؤكِّد استحباب صوم ستة من شوال بعد صيام رمضان، وأنَّه لا ينبغي التَّكاسل والتَّهاون في صومها.

ولكن نُقِلَ عن مالك كراهة صومها [2] ، حتَّى لا يظن وجوبها. قال مالك في الموطأ:"ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني عن أحد من السَّلَف، وإنَّ أهل العلم يكرهون ذلك مخافة بدعته، وأنْ يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم أو هم يعلمون ذلك" [3] .

ولكن الأثر الوارد في صوم هذه الأيام يؤكِّد استحباب صومها، وعدم اعتقاد حُرْمة صومها، قال الشَّافعيّ:"هذا الحديث الصَّحيح الصَّريح، إذا ثبتت السُّنَّة فلا تُترك لترك بعض النَّاس أو أكثرهم أوكُلّهم لها، وقوله: قد يظن وجوبها، ينتقص يوم عرفة وعاشوراء، وغيرهما من الصَّوم المندوب" [4] .

ويقول صاحب"تحفة الأحوذيّ":"قول مَنْ قال بكراهة صوم هذه السُّنَّة باطل مخالف لأحاديث الباب، ولذلك قال عامّة المشايخ الحنفيّة: لا بأس به" [5] .

(1) أخرجه مسلم في صحيحه بشرح النَّوويّ، 8/ 56.

(2) انظر: الاعتصام، 2/ 211، وحاشية الدّسوقيّ، 1/ 488 - 489.

(3) الموطأ، ص 211.

(4) شرح مسلم: للنَّوويّ، 8/ 56، وانظر: المحلى، 7/ 17 - 18.

(5) التّحفة، 3/ 467.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت