وقال ابن الهمام:"صوم ستة من شوال عن أبي حنيفة، وأبي يوسف كراهته، وعامة المشايخ لم يروا به بأسًا" [1] .
وما خشي منه مالك وقع، لذلك يجب التَّرك أحيانًا لبيان استحبابها، والعمل بها أحيانًا، والتَّنبيه على أنَّها مستحبة غير واجبة.
يقول بعض المحدثين:"إنَّ الذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المسحرين على عاداتهم والبواقين وشعائر رمضان إلى آخر السِّتة أيام، فحينئذ يظهرون شعائر العيد" [2] .
المبحث الخامس: حُجِّيَّة سدّ الذَّرائع
لقد اتّضح من عرض أقسام سدّ الذَّرائع أنَّ الفقهاء جميعًا يحتجون ويأخذون بمبدأ سدّ الذَّرائع، إلاَّ أنَّهم اختلفوا في مدى الأخذ به كثرة وقلّة، وأكثر الفقهاء أخذًا بمبدأ سدّ الذَّرائع هم المالكيّة والحنابلة، حتَّى يكاد يُنسب إليهم وحدهم القول بالأخذ به.
وقد ثبت العمل والأخذ بمبدأ سدّ الذَّرائع، وإعطائها حكم ما تؤول إليه، والاحتجاج بها بأدلة من القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويّة، وعمل الصَّحابة.
أوّلًا: من القرآن الكريم:
[1] قوله تعالى {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] . فنهى سبحانه عن سبّ آلهة المشركين، مع كون السَّبّ غيظًا وحمية لله وإهانة للأوثان والأصنام وما يُعْبَد من دون الله تعالى، لأنَّه ذريعة إلى سبّ الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتَّنبيه؛ بل كالتَّصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز [3] .
[2] قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104] ، وكان النَّهي لأنَّ اليهود
(1) فتح القدير، 2/ 78.
(2) الاعتصام، 1/ 211.
(3) إعلام الموقعين، 3/ 118، وإغاثة اللّهفان، 1/ 497.