الصفحة 8 من 27

الأوَّل: ما يكون أداؤه إلى المفسدة يقينًا، كحفر بئر خلف باب الدَّار في طريق مظلم بحيث يقع الدَّاخل فيه، وشبه ذلك [1] ، فهذا ممنوع. وإذا فعله يكون متعديًّا بفعله، ويضمن ضمان المتعدي في الجملة، إمَّا لتقصيره في إدراك الأمور على وجهها أو لقصد الإضرار نفسه.

والثَّاني: ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرًا، كحفر بئر في مكان غير مطروق لا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه، وبيع الأغذية التي لا تضرّ غالبًا، ونحو ذلك [2] ، وهذا باقٍ على أصله من الإذن فيه؛ لأنَّ الشَّارع أناط الأحكام بغلبة المصلحة ولم يعتبر ندور المفسدة، إذ ليس في الأشياء مصلحة محضة ولا مضرّة محضة، فالعمل باقٍ على أصل المشروعيّة.

والثَّالث: ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا ـ أي راجحًا ـ فيرجح على الظَّنّ إفضاؤه إلى الفساد، كحفر بئر في مكان لا يمرّ فيه النَّاس ليلًا، وكبيع العنب لخمّار، وكبيع السِّلاح لأهل الحرب، ونحو ذلك [3] . فهذا الظَّنّ الرَّاجح يلحق بالعلم اليقينيّ، لأمور:

[أ] أنَّ الظَّنّ في الأحكام الشَّرعيّة العمليّة يجري مجرى العلم القطعيّ.

[ب] ورد في الشَّرع ما يدلُّ على الأخذ بسدّ الذَّرائع ـ كما سيأتي ـ؛ لأنَّ معنى سدّ الذَّرائع هو الاحتياط لدفع الفساد، والاحتياط يوجب الأخذ بغلبة الظَّنّ.

[ج] أنَّ جواز هذا القسم فيه تعاون على الفساد والعدوان المنهي عنه.

والرَّابع: أنْ يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا، ولكن كثرته لم تبلغ غلبة الظََّنّ الغالب للمفسدة، ولا العلم اليقينيّ، كبيوع الآجال التي تتخذ ذريعة للرِّبا، وهذا موضع نظر والتباس، وذلك كعقد السَّلَم يقصد به عاقده لربا قد استتر بالبيع، كأنَّه يدفع ثمنًا قليلًا لا يتناسب مع ثمن المبيع وقت الأداء

(1) وكالخلوة بشابة أجنبيّة، ومصاحبة أهل الدّعارة والفجور، فهذا حرام يجب منعه لأدائه القطعيّ إلى المفسدة.

(2) وكبيع مبيد للحشرات قاتل للإنسان، وكشف المرأة المسنة أو الدَّميمة وجهها للأجانب، وهذا مباح لندرة أدائه إلى الضَّرر مع قيام المصلحة، وأصل الإذن العام.

(3) وكشف الشَّابة الجميلة وجهها للأجانب، وهذا شبيه بالحرام يجب منعه لرجحان أدائه إلى المفسدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت