الصفحة 9 من 27

قاصدًا بذلك الرِّبا، فإنَّ تأديته إلى الفساد كثيرة، وإنْ لم تبلغ الظَّنّ الرَّاجح، ولا العلم.

وهذا القسم موضع اختلاف العلماء أيؤخذ به فيبطل التَّصرُّف ويحرم الفعل ترجيحًا لجانب الفساد، أم لا يؤخذ به فلا يفسد العقد، ولا يحرم الفعل أخذًا بالأصل، وهو الإذن بالفعل؟

لقد رجَّح أبو حنيفة والشَّافعيّ ـ رحمهما الله تعالى ـ جانب الإذن، ولم يحرما الفعل، ولم يفسدا التَّصرُّف، وذلك للأسباب الآتية:

[أ] لأنَّ الفساد ليس غالبًا، فلا يرجح جانبه.

[ب] ولأنَّ أساس التَّحريم أو البطلان هو أنَّه ذريعة إلى باطل فاسد حرام، ومع عدم الغالبيّة والقطعيّة لا يكون العقد أو الفعل ذريعة للبطلان، فلا موجب للتَّحريم.

[ج] ولأنَّ الأصل هو الإذن، ولا يعدل عنه إلاَّ بقيام دليل على الضَّرر فيه، وما دام الأمر ليس غلبة الظَّنّ فإنَّ أصل الأذن باقٍ.

وأمَّا الإمامان مالك وأحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ فقد قرَّرا أنَّ الفعل يحرم، والعقد يبطل للاحتياط، وذلك لأنَّه بكثرة الضَّرر مع أصل الإذن فقد وجد أصلان:

أحدهما: الإذن الأصليّ.

والثَّاني: ما في الفعل أو العقد من كثرة الإضرار بالغير وإيلامه، ويرجّح الضَّرر لكثرة المفاسد، إذ دفع المضار مقدَّم على جلب المصالح [1] .

يقول القرافيّ [2] :"وقسم قد اختلف فيه العلماء يسلم أم لا؟ كبيوع الآجال عندنا، كمَنْ باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهرها، ثُمَّ اشتراها بخمسة قبل الشَّهر. فمالك يقول: إنَّه أخرج من يده خمسة الآن، ثُمَّ اشتراها بخمسة الآن، وأخذ عشرة آخر الشَّهر، فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل بإظهار صورة البيع، لذلك يكون باطلًا. والشَّافعي يقول: ينظر إلى صورة البيع، ويحمل الأمر على ظاهره، فيجوز ذلك. وهذه البيوع يُقال: إنَّها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك، وخالفه فيها الشَّافعيّ."

(1) أصول الفقه: لأبي زهرة، ص 291 فما بعدها.

(2) الفروق، 3/ 266 فما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت