وكان هذا الميثاق بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة بما أودع الله العقول، وقد روى أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم إن فيها كتاب الله فقالوا لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم الله فقال لهم موسى خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم خذوا الكتاب وإلا طرح عليكم فأخذوه بعد ظهور هذه الآية الباهرة العجيبة وهي رفع الطور وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهدا وموثقا جعلوه لله على أنفسهم، وذكر أن أخذ الميثاق كان متقدما فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل، والمفهوم من الرواية أنه قاموا بهذا الميثاق ثم أعرضوا عن الوفاء به فحرقوا التوراة وتركوا العمل به، وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل ما فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلًا ونهارًا يخالفون موسى عليه السلام ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرّون بها ثم فعل متأخروهم مالا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله.
ويذكر القرآن هذا الميثاق وما كان فيه من التكليف الموصل إلى أعظم النعم فيقول: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ)