الأمة الراكدة ليست لها قلوب ترنو إلى المعالي، وتتطلع إلى رضا الله والجنة، وتشف القلوب بالقيام في الليل والصوم بالنهار والأذكار بالليل والنهار، بل قلوبها قاسية والله تعالى يقول: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر:22) وهي مغموسة في الماد يات، جافية للإيمانيات، مساجدها خالية، وأسواقها ملأى، وجرائدها فاضحة بالتحلل والكذب والفجور، وشاشاتها مفعمة بألوان من الفتن والشرور، وهي غارقة في تقليد عدوّها في أنماط حياتها تاركة صبغة ربها الودود الغفور.
الأمة الراكدة يقسو فيها الحاكم على المحكوم والمحكوم على الحاكم، والكبير على الصغير والصغير على الكبير، والزوج على زوجته والزوجة على زوجها، والوالد على بنيه، والولد على أبيه، والجار على جاره، ويبغي الشريك على شريكه، ويطارد الدائن غريمه، ويهرب المدين من التزامه، تُخان الأمانات، وتنتشر السفاهات، وتقل المكرمات وتكثر المكروهات، وتستشري المحرمات، وتخرج من أزمة إلى أزمات، ليس لها من الله هدى، ومن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوة، حيارى بين شرق وغرب وشمال وجنوب، {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء} (النساء: من الآية 143) .
رابعًا: الأُمةُ الراكدةُ أمةٌ متفرقة:
الأمة الراكدة تعلو فيها قيم العصبية الذميمة على الأخوة الحميمة، وتحتدم فيها الفرقة والاختلاف على الوحدة والائتلاف، وتعلو فيها المذهبية على الروابط العقدية، وتتمسك بتاريخها في الجاهلية على الاعتزاز بحضارتها الإسلامية، تحنّ إلى الأَثَرَة ولا ترقى إلى الإيثار، تركن إلى الأغرار من الكفار، وتطارد أولي الأيدي والأبصار، بأسهم لإخوانهم، وخيراتهم لغيرهم، أذلة على الكافرين، أعزة على المؤمنين يتبعون كل ناعق، ويتركون هدي الخالق سبحانه وتعالى.
المبحث الثالث
قبلتنا وصناعة الأمة من الراكدة إلى الرائدة.
أولًا: أن تكون القبلة رمز التوحيد الصافي.