وإذا كانت الكلاسيكية مذهبًا عقلانيًا، وكانت اللغة فيه مجرد تمثيل للواقع الخارجي، فإن الرومانسيين كانوا أول من شرب من كأس الأسطورة حتى الثمالة، وبعد إن كانت الأسطورة مصطلحًا سلبيًا يدل على تخييل فحسب، في القرنين السابع عشر والثامن عشر وفي عصر التنوير، تحول الأمر مع الرومانسية، ومع كتاب"فيكو""العلم الجديد"وأصبح للأسطورة مفهوم جديد، وأصبحت كالشعر، نوعًا من الحقيقة، لا ينافس الحقيقة العلمية أو التاريخية، بل يرفدها (6) .
وفي بحثنا هذا، نحاول أن نقف عند ظاهرة مهمة في لغة الشعر، بدأت مع الرومانسية التي كانت أول من أنجز الخطوة الأولى على طريقها، واستمرت بالتعاظم لدى الرمزيين والصوريين، وبلغت أوجها لدى السرياليين، وأعني بها ظاهرة الانقطاع في لغة الشعر الحديث وإلغاء الحدود الفاصلة بين العقل واللاعقل التي بدأها"رامبو"في كتابه"إشراقات" (7) . هذه الظاهرة التي وجدت طريقها إلى القصيدة العربية الحديثة منذ نهاية السبعينات وتعاظمت في الثمانينات والتسعينات، والتي كانت قصيدة النثر بيتها الذي ولدت وترعرعت فيه، لتغزو فيما بعد، شعر الحداثة كله.
وإذا كانت البلاغة القديمة، قد توقفت في مناقشتها لهذه الظاهرة عند حدود الجملة، فإن الأسلوبية الحديثة أكدت على دراستها في الخطاب إلى جانب الجملة، إذ صار هذا الخطاب، لدى العديد من شعراء قصيدة الحداثة، خاليًا من التسلسل الفكري والعقلي، شبيهًا بذلك الكتاب الصيني الذي قرأه"ليفي برول"فتحول إلى دراسة، الفكر البدائي (8) ، وكان هذا الكتاب مفتقرًا إلى التسلسل في الأفكار، والعقل هو قبل أي شيء تسلسل، ومن هنا، لم يجرؤ الكلاسيكيون، بوصفهم عقلانيين، على تكسير هذا التسلسل في الخطاب الشعري.