فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 335

في قصة"الأسماك"يختار القاص امرأة ذات ملامح اجتماعية غير واضحة ولا محدودة، أما ملامحها السيكولوجية، فتتحدد بالحاجة إلى الذكر والحنين إلى الإخصاب، وقد اختار القاص من بين النساء، اعتقادًا منه، كما يشير هو نفسه -بأن المرأة"هي أفضل البؤر الاجتماعية التي تتجمع عندها موروثات البيولوجيا العراقية، وأنماط السلوك الاجتماعي. بالإضافة إلى أنها وسط اجتماعي حساس يجتذب إليه إشعاعات الشعور الجماعي ومن ثم يعكسها في جو القصة، وسط اهتماماتها، بتاريخها الأنثوي الملئ بالظلام والطقوس [1] فهي بالتالي -أي المرأة التي يصفها القاص بـ"امرأة العالم الأسفل"قادرة على إشاعة الروح المحلية الجماعية في القصة، ويقود القاص بطلته هذه في رحلة إلى الماضي البعيد، وهي تجلس في شرفة مطلة على نهر -يؤدي دور الأم التي تهدهد الطفل ليغفو (الدلول) [2] - وتتم العودة إلى العالم البدائي الوثني الأول، وهي في حالة نصف الوعي يأسرها النهر (الدلول) وفي الوقت الذي تحيط فيه المرأة ثلاثة صناديق، داخلها أنواع عديدة من الأسماك، أسماك سجينة كالمرأة السجينة في شرفتها تمامًا"وأعمق فأعمق في مياه كالقار تسبح سمكة واحدة عمياء متخطبة، سمكة سوداء لها وجه آدمي مألوف، سمكة الآلام والعبودية، والانحطاط الجسدي المؤبد في الأعماق المظلمة.. ولا تجد الفتاة السجينة من سبيل للخروج من هذا الجحيم إلا بالعودة إلى أيام الصفاء والنقاء والخلق الأولى -إلى التوحد بالطبيعة عبر طقوس وأساطير وأديان الماضي، ولن تتيح هذه العودة للأنثى السجينة تواقعًا جسديًا حسب، بل وستتيح لها العودة إلى مكانتها الأولى لدى الشعوب البدائية، إذ هي رمز الخصب والنماء وسر الكون واستمراره"سمكة جنينًا"طفلة ذات وجه متناسق مليح..

(1) * هذا لا يعني طبعًا أننا نتفق وهذه الرؤية ذات الأصول الفرويدية.

(2) ** تطلق على أغنيات خاصة بتنويم الطفل وغالبًا ما تبدأ بـ"دللول -يا بني دللول".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت