فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 335

وفي الفصول الثلاثة نقف على طبيعة الراوي والرؤية ونوعيتهما، فالراوي يروي القصة بعد أن تمت أحداثها لا بأن يتابعها ويرويها حسب وقوعها لحظة بلحظة، ومعنى ذلك أن الراوي يقف خلف الأحداث، ومن المعروف عن الرواية من الخلف أنها أكثر أشكال الرؤى بدائية، وإن كانت معروفة في القص الحديث، ولا سيما الكلاسيكي منه، هذه الرؤية لا نلبث أن نقف على طبيعتها من خلال القص، فهي رؤية داخلية، ودرجة نفاذها شديدة، والراوي يمتلك فيها امتيازات كبيرة، ونحن نقف على معرفة الراوي التي تتجاوز معرفة الشخصيات وتخترق الحجب والأستار وتتنبأ بالمستقبل، في العديد من الفصول والوحدات السردية، فحين تخبر أم صادق ولدها -وهو الراوي -بأنها باعت المغسلة التي جلبها إلى جارتها، يعقب الراوي على ذلك قائلًا"والواقع أنها استدعت جارتها.. وعرضت عليها المغسلة فشكرتها وأخبرتها أن لديهم واحدة مثلها وليست في حاجة إليها"ويخبرنا بأن أمه وضعت هذه المغسلة وأخفتها في السرداب. دون أن يعلمنا عن كيفية حصوله على هذه المعلومات. وفي الفصل السادس يستهل الراوي الفصل بحديث انفعالي عن الحب وسحره، لا صلة له بالأحداث وهكذا فالراوي في مجنونان ليس"كلي العلم"حسب، بل هو من النوع الذي اصطلح عليه الناقد فريدمان بـ"الراوي كلي العلم المقتحم للقصة" (21) أما درجة نفاذ رؤيته العميقة، فسوف نتحدث عنها في موضعها من البحث، وقد أصبح هذا النوع من الرواة من مخلفات الماضي، وشهد القص الحديث تطورًا كبيرًا في هذا المجال، بل أن التطور الأكثر خطورة وأهمية في القص، في القرن العشرين، هو اختفاء الراوي ورؤيته في القص وظهور القارئ، بحيث بات عصرنا يدعى بعصر القارئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت