فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 335

إذ جمع الشاعر في جملة واحدة أكثر من عنصر متنافر، وعطف هذه العناصر المتنافرة على بعضها، وإذا كان قوله (وبسيطًا كصليب) في إشارة إلى صليب المسيح، متجانسًا مع قوله (كان حيا من دجاج) لما عرف به هذا الكائن الحيواني من ضعف وهشاشة وبساطة، فإن، الجنوب والغضب لا يناسبان هذا الكائن ولا جامع بينه وبينهما وقد لا تبدو نافلة الإشارة إلى أن مفردة (الجنوب) وردت في أحد المزامير في التوراة، وفي صورة تعد غريبة في سياقها التوراتي، فقد شبه الانعتاق في الأسر بسواقي الجنوب إذ تقول الآية (35 أ)

(( اردد يا رب سبينا مثل سواقي الجنوب ) )

ذلك أن الانتقال من فكرة الانعتاق من الأسر إلى صورة الانهار في الجنوب غير عقلاني (35 ب) إلا أن محمود درويش الشاعر الفلسطيني- الذي عرف شعره بكثرة تداخله النصي مع التوراة لا يستخدم المفردة كما وردت في سياقها التوراتي، بل يستخدمها في سياق آخر، هو سياق المقاومة الباسلة ضد المحتل الصهيوني التي عرف بها الجنوب اللبناني.

وإذا كان الانزياح في الشعر، ناجمًا عن التعارض بين المعجم والنحو، كما يقول كوهن (36 أ) ، فإن نفي الانزياح يتم بتغيير المعجم أو الوظيفة النحوية، ويكفي هنا أن نغير معنى (الجنوب) إلى القوة التي تعرف بها المقاومة، لتتحول النفرة وعدم المواءمة إلى تضاد أو تقابل، وهو ما تسوغ البلاغة عطفه على الضعف والاستسلام الماثل في مفردة (دجاج) .

وعلى العكس من الانقطاع في الخطاب، عرفت قصيدة الحداثة الموزونة، الانقطاع في المفردة بشكل متواقت مع ظهور الانقطاع في قصيدة النثر، إلا أنه يمكن القول أن الأخيرة قد استخدمته بصورة أوسع، وأكثر من القصيدة الموزونة، وسأكتفي هنا بذكر نماذج لشاعر واحد من شعراء قصيدة النثر، هو الشاعر محمد الماغوط ومن ديوانه (غرفة بملايين الجدران) الصادر عام 1964م

يقول الشاعر في إحدى قصائده: (36) ب:

"أريد أن أهز جسدي كالسلك في إحدى المقابر النائية"

أن أسقط في بئر عميق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت