فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 335

ثمة مسلمة تقول إن السردية تتحكم في كل خطاب مهما كان نوعه (1) ، ولا يقتصر وجودها على الأجناس الأدبية حسب، بل يمتد ليشمل التاريخ والسينما، إلا أن تخضع في كل جنس أدبي، وكل فن للقوانين البنيوية لذلك الجنس أو الفن. ويبدو أن وجودها في أجناس أدبية بعينها، هو وجود غير قار، إذ يخضع للتطور والتغيير، فقد تكون صيغة السرد مهيمنة في حقبة تاريخية معينة أو مذهب أدبي معين، ولكنها لا تلبث أن تفقد هذه الهيمنة في حقبة تالية مخلية الطريق لصيغة أخرى، كالوصف والعرض والحوار.

ومن الأمور المعروفة عن السرد تسيده في القصيدة الغنائية مع ظهور المذهب الرومانسي، وقد اقترن هذا النزوع إلى القص في القصيدة الرومانسية بتغليب،"الأسلوب النثري في الشعر".. وبلهجة فيها من الكلام ملامح كثيرة" (2) وهو أمر أي الأسلوب النثري لم يقتصر على المذهب الرومانسي، أو الواقعي من بعده، بل هو اتجاه ميز العصر الحديث كله."

وعلى الرغم من الزعم القائل بأن المدرسة الحديثة التي ظهرت فيما بين "1908- 1922"والتي كان من أبرز شعرائها: فاليري، وييتس وعزرا باوند واليوت. قد حاولت انتشال القصيدة الغنائية من أسر"الرومانسية والسرد" (3) كما حاولت"إبعاد التخيل إبعادًا تامًا عن الشعر الغنائي لمنع أي خطر جدي من المزج بين الاثنين" (4) ، على الرغم من كل ذلك، فإن هذه المدرسة لم تستطع أن تنأى بالقصيدة الغنائية عن السرد بشكل تام، ففكرة"المعادل الموضوعي"التي استخلصها اليوت من الرمزيين الفرنسيين، ومن النظرية والممارسة لديهم، وفكرة التحفيز"التي نادى بها الناقد"ايغور ونترز"والتي يتوجب على الشاعر بموجبها أن يحفز الانفعالات"بإعطائنا الحوادث التي أنتجتها" (5) كل ذلك أدى بالقصيدة الغنائية إلى استخدام الأحداث في لغة يومية قريبة من لغة النثر لدى شعراء هذه المدرسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت