فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 335

وربما كان أخطر ما تلقاه الشاعر العربي الحديث من هذه المؤثرات الوافدة مقولة"اليوت"عن"المعادل الموضوعي"فضلًا عن شعره، إذ لم يعد الشاعر يسوق فكرته أو يعبر عن عاطفة بصورة مباشرة كما هو الأمر في شعرنا القديم، بل صار يلجأ لنقل انفعالاته إلى عقل القارئ، إلى وسيط هو"مجموعة من الموضوعات، موقف، سلسلة من الأحداث" (21) ، ثم كان اكتشاف الشاعر العربي المحدث في منتصف الخمسينات"للأسطورة"بعد ترجمة أجزاء من كتاب جيمس فريزر"الغصن الذهبي"إلى العربية على يد جبرا إبراهيم جبرا، واكتشافه لأساطير المنطقة بفعل ما أحدثته هذه الترجمة، ثم تعرفه -أي الشاعر العربي الحديث- على تقنيات جديدة في القصيدة الحديثة، كالمونولوج الدرامي أو القناع، والمرايا، كل تلك التقنيات والوسائل التعبيرية الجدية، دفعت الشاعر المحدث إلى استخدام السرد في القصيدة الغنائية، ذلك أن معالجة الأسطورة كقصيدة، والمونولوجي الدرامي الذي من خصائصه أن يروي الشاعر بصوته أو بصوت قناعه قصة -تروى بالفعل الماضي وتقدم الحدث بالفعل المضارع وبأسلوب وزمن دراميين (23) ، وكأن الحوار وأسلوب المرايا الذي من شأنه غالبًا اختلاق شخصية وهمية يتحدث عنها الشاعر أو تتحدث عن نفسها، كل ذلك دفع بالقصيدة الحديثة على طريق السرد والخطاب القصصي، ولم يعد السرد يقتصر على بعض مقاطع القصيدة، بل أصبح الصيغة المهيمنة على القصيدة، في قصائد شهيرة مثل"أغنية في شهر آب"لبدر شاكر السياب، و"أغنية من فينا"لصلاح عبد الصبور، وعلى الكثير من قصائد الأجيال التالية لجيل رواد حركة الشعر الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت