فهرس الكتاب
إذا ما عدنا إلى الفروق بين الشعر الغنائي والأجناس الأخرى التي أجملناها في جدول، وجدنا أن هذه الفروق أو الحدود هي حدود لاتتسم بالصلابة، سيما في النصف الثاني من القرن العشرين الذي شهد تداخل الحدود بين الأجناس الأدبية من جهة، وتداخل الحدود بين هذه الأجناس والفنون عمومًا من جهة أخرى، وقد أدى ذلك إلى نشوء مادعي بـ"النص"والنص المفتوح ولم يعد من قبيل المصادفة أن"يستعمل الشعر والتخييل الحديثان صنعات متشابهة، ويعرضان ماهو في جوهره نوع واحد من التنظيم" (51) . وقد تأثرت قصيدة الحداثة بالقصة وأساليبها على نحو"يبدو فيها الفرق بين الشعر والنثر فرقًا يعتمد على التمييز الظاهري وليس الجوهري" (52) كما تأثرت القصة بالقصيدة وأصبحت"الشدة والكثافة والحركة وهي الصفات التي يحتمل أن تكون ملازمة للإيقاع الشعري كثيرًا ماتتحق بمستويات متفاوتة في التنويعات التي تنطوي عليها أشكال القصة الحديثة (53) . ويحاول بعض النقاد اليوم تطبيق بعض مقولات وخصائص الشعر الغنائي على القصة والرواية، فقد أوضح"ديفد لودج"أن الرواية الحديثة التي تميل إلى الرمزية وترفض الواقعية التقليدية نزاعة إلى الجانب الاستعاري (54) ، وهو الجانب الذي وجد"ياكبسون"أنه خاص بالشعر في مقابل الكناية أو المجاز المرسل الذي هو من خصائص النثر ولغته. وقد وصفت بعض الروايات الحديثة بأنها شعرية. وهو الوصف الذي أطلقه زوج فرجينيا وولف على روايتها"الفنار" (55) كما عد الناقد محمود أمين العالم روايات نجيب محفوظ في المرحلة الفلسفية قصائد من الشعر الحديث لايعوزها إلا الوزن (56) . إن الوظيفة الشعرية ليست حكرًا على القصيدة الغنائية، بل يمكن أن توجد، وبشكل مطرد اليوم خارج الشعر، حيث تعطي هذه الوظيفة أو تلك الأولوية على حساب الوظيفة الشعرية (57) ، التي تهمين في القصيدة على غيرها من الوظائف."