فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 335

ونبض قلبه الذي يتفجر على كل زهرة هو تحوير لقولها: في برعم يغذوه قلب الوجود، ويفيد من"قلب الوجود"و"قلب العالم".... في قوله"كان للأرض قلب"وهو يحور"قوس قزح الزمردي"لدى ستول، إلى الدروب والبساتين والأنهار، ثم يأتي التحوير الأخير بقايين نفسه، فبدلًا من"المسيح -حبة الحنطة الخيرة"يكون قلب قايين هو البذرة المستسرة في الزمن، حيث يتفجر الشر متناميًا في حياته بعد انقضاء فترة الشباب" (45) ."

ويبدو أن السياب كان أول شاعر عربي كبير ومحدث، يعطي دفعة قوية للتناص في القصيدة الحديثة، متأثرًا في ذلك بالشعراء الإنكليز، سيما ت.س اليوت. ولا يقتصر التناص والعلاقات النصية لديه على الشعر الإنكليزي والأوروبي عمومًا. بل تمتد لتشمل الموروث الثقافي الديني والأسطوري، القومي والعالمي، وفضلًا عن علاقات شعره النصية مع الشعر العربي القديم، ولنتأمل هذه الصورة في قصيدته"أغنية في شهر آب"، يصف بها السيدة الضيفة التي تزور السيدة الممولة وهي التي تروي الأحداث في القصيدة (46) :

وعلى الأثداء من النمر

شرق يتسلل ملء الغاب من الشجر

فالسيدة تغطي صدرها بشال من الصوف الدقيق الأبيض اللون، وفيما يغطي شعرها الأسود جزءًا ومساحات من هذا الشال، فإن أجزاء وبقعًا أخرى تتسلل إلى عين الرائي من بين خصلات الشعر وكأنها الشمس. هذه الصورة تعيد إلى الأذهان صورة المتنبي في قصيدته"شعب بوان"، إذ حين يدخل الفارس العربي وهو على حصانه الغابة المكتظة الشجر، يتسلل نور الشمس من بين أوراق شجر الغابة لتلمس جسد الفارس وثيابه بصورة متحركة بسبب حركته داخل الغابة. إذ يقول المتنبي (47) :

والقى الشرق منهما في ثيابي ... دنانيرًا تفر من البنان

والسبب في أن ذهن القارئ لايستطيع استحضار صورة المتنبي، يعود إلى أن السياب ذوب أجزاء من خطاب المتنبي داخل خطابه ومحا حدود النص القديم، مضفيًا على خطاب الآخر، نغمته وتعبيره وِأسلوبه الخاصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت