ينصبُّ التحليل الأسلوبي في جانب كبيرٍ منه على رصد الدلالات التي تنبعث من النص، ذلك"أنّ النص يتحرك ضمن دلالاته، ولا شيء يقوى على ضبط هذه الدلالات وتحديد مواقعها أو رسمها وبنائها قدر ما يقوى الأسلوب عليه" [1] ، والأسلوب بوصفه استعمالًا خاصًا للغة في محوري الاختيار والتوزيع يحمل في طياته طاقات تعبيرية هائلة تعمل على تشكيل فاعلية دلالية في النص الشعري على المستوى العميق، إذ أن"الشعر هو نشيد المدلول" [2] .
إذا كانت الدلالة تتحقق في النص الشعري عبر بُناه الداخلية، فان ذلك يقضي بأن هناك نزوعًا أصيلًا إلى التعبير بالإيحاء في لغة الشعر، ولا يتم استكناه هذه الدلالة الإيحائية إلاّ عن طريق الدلالة المطابقة أو المباشرة، ومن ثمّ تتشكل في باطن النص الشعري بنية مزدوجة وظيفتها إنتاج مدلولات عديدة وتدخل"الاستعارة والكناية وكل الصور البيانية في الفضاء المحصور بهذه البنية الدلالية المزدوجة" [3] .
إن الاستعارة تتدخل في تشكيل بنية اللغة الشعرية لا من أجل إزالة المنافرة الدلالية التي قد تحدث بين الدال والمدلول فحسب بل تحويلها إلى الملاءمة في السياق الاستبدالي، ومن هذا المنطق الأسلوبي راح المتنبي يستخدم اللغة الاستعارية في قصيدته هذه من أجل القبض على ناصية المعاني التي لا تتأتى من خلال اللغة التجريدية، ويتجلى ذلك في قوله:
نامَتْ نواطيرُ مِصْرٍ عَنْ ثَعالبِها ... فَقَدْ بَشِمْنَ وما تَفنَى العناقِيدُ
إنّ عدول كل من الألفاظ الثلاثة (نواطير ـ ثعالبها ـ العناقيد) من دلالتها المعجمية (حافظ الزرع ـ الحيوان المعروف ـ ثمر العنب) إلى معانٍ ثانية (السادات ـ الأراذل ـ الأموال) يتيح المجال للشاعر لحشد بعض المعاني السلبية في إيجاز شديد، ومن ثمّ رمي المهجو بها دفعةً واحدةً، فضلًا عن أن الاستعارة قد رسمتْ أبعاد صورة مزرية للمهجو بكونه ثعلبًا يجول في أطراف البلاد آكلًا وشاربًا حتى أخذته التخمة، وترى حُراس البلدة، القائمين على حمايتها وحفظها، في غفلة عن هذا الثعلب الجشع الذي عاث في أموال الناس فسادًا.
وإذا كان المِشفَرُ لصيقٌ بالبعير الذي يثقب شفته للزمام فانّ المتنبي جعله سمةً للمهجو في سياق استعاري متماسك استهزاءً به وسخريةً، إذ يقول:
وأنَّ ذا الأَسودَ المثقُوبَ مِشْفَرُهُ ... تُطِيعُهُ ذي العَضَاريطُ الرَّعادِيدُ
ويعثر القاريٌ في مطلع القصيدة على ما يسمى بالتفات التشخيص، وهو أن يتوجه الشاعرٌ إلى الآخر غير العاقل ليحوّله إلى ذاتٍ عاقلة، فيؤنسها بقوة الالتفات [4] :
عيدٌ بِأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ... بما مَضَى أم بِأَمرٍ فيكَ تَجْديدُ
إن العيد ارتفع من مرتبة الموضوعات الجامدة إلى مرتبة الذوات العاقلة، وذلك ليشاطر المتنبي همومه ويتقاسم أحزانه مع العيد البهيج.
(1) مقالات في الأسلوبية: 17.
(2) نظرية الانزياح عند جان كوهن، نزار التجديتي، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، المغرب، العدد (1) ، 1987،: 65.
(3) علم النص، جوليا كريستيفا، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 1991:77.
(4) أقنعة النص، سعيد الغانمي، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط 1، 1991: 52 - 53.