البيئة العربية الكريمة تمثل مركز الثقل الدلالي، بل كادت دلالة البيت تستقطب حول الاعتراض على انه تركيبٌ"يقصد به التوكيد وتوضيح المعنى، بل يكون المعترَض هو بؤرة التعبير" [1] .
وقد ورد الاعتراض في مواضع أخرى من القصيدة، من ذلك قوله:
إِنَّ امْرءًا أَمَةٌ حُبلى تُدَبِّرُهُ ... لَمُسْتَضامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْئُودُ
لولا العُلَى لم تَجُبْ بي ما أجوبُ بها ... وَجْنَاءُ حَرْفٌ ولا جرداءُ قَيْدُودُ
ففي الأمثلة كلها يخدم الاعتراض البنية الكلية للقصيدة من حيث تعميق المغزى وإفراز المعاني الإيحائية، حتى يظهر النص وكأنه كتلة متراصة تركيبًا ودلالة.
ولعلّ الحذف بوصفه تغييرًا بنيويًا يطرأ على سطح الجملة يحقق أغراضًا تسهم في تقدّم النص واتضاح جوانبه المتعددة، من ذلك قوله في مطلع القصيدة:
عيدٌ بِأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ... بما مَضَى أم بِأَمرٍ فيكَ تَجْديدُ
إنّ الأصل اللغوي لهذا التعبير هو (هذا عيدٌ) ، غير أن الشاعر أسقط المبتدأ و اكتفى بدلالة الخبر توجعًا منه في ما آلت إليه الأوضاع من القطيعة بين المحبين في العيد، فضلًا عن أن الحذف يُحدث لونًا من التوازي الصوتي بين بداية الشطر الاول ونهايته، ولا يخفى أيضًا ما قام به حذف الهمزة الاستفهامية في المصراع الثاني من الدلالة على امتداد هذا الموقف النفسي الحادّ إلى الماضي السحيق، لأن الوظيفة الدلالية لإسقاط همزة الاستفهام تتجلى في وجود المعرفة المسبقة ـ وهو التداخل بين وعي الشاعر ووطأة الدهر ـ في ذهن المتكلم إزاء المستفهم عنه [2] .
وإذ أحسَّ المتنبي بأن كافورًا يتخذه وسيلةً لتحقيق مرامي الشهرة والصيت يفيد من حذف المبتدأ للتركيز على دلالة الخبر و إبراز موقعه في التعبير، فيقول:
جَوْعانُ يأكلُ مِن زادي ويُمِسكُني ... لكي يُقالَ عظيمُ القدْرِ مقصودُ
عمد الشاعرُ إلى حذف المبتدأ (هو) في صدارة البيت وفي حشوه، والتقدير (هو جوعان) و (هو عظيم القدر) ، وذلك استجابةً لرغبته الملحة في تسليط الضوء على مناطق حساسة في الدلالة، وهي إبراز جشع المهجو وطمعه الشديدين في الأول، حتى كأنه لا يشبع من طعامه هو فيمدّ يده إلى طعام ضيوفه، كما يركز في الثاني على التفاخر الأجوف الذي يبغيه كافور من مدح المتنبي إيّاه حتى يقال عظيم القدر رفيع الشأن، لذا يقصده المتنبي بمدائحه، وقد أثار الشاعرُ كلَّ هذه المعاني الإيحائية بتوظيف الحذف في الأداء، إذ أن من قيمة الحذف الأسلوبية هو تركيز انتباه المتلقي ولفت ذهنه إلى الحدث أو الوصف دون سواه [3] .
* المستوى الدلالي:
(1) في سيمياء الشعر القديم ـ دراسة نظرية وتطبيقية، د. محمد مفتاح، دار الثقافية، المغرب، ط1، 1982: 63.
(2) الأنماط التحويلية في الجملة الاستفهامية العربية، د. سمير شريف ستيتية، مجلة المورد، مج 18، العدد (1) ، بغداد، 1989: 39.
(3) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية، د. مجيد عبد الحميد ناجي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1984: 136.