الصفحة 7 من 18

يتبين مما سبق أن تراكم الاستفهام حضورًا وغيابًا في النص يتعاضد مع الوظيفة الدلالية والأدبية لرفد حركة القصيدة ومعانيها نحو الإثارة والتموج، إذ إنّ"الاستفهام هو الملاذ الرئيسي الذي ينقذ القصيدة من الوقوع في شرنقة السكون" [1] ، ومن الطريف ان نلحظ أنّ الاستفهام أصبح تقنية تعمل على تشكيل بنية مدورة تتمثل في التوافق بين المطلع والخاتمة، فالنص الشعري يبدأ بالاستفهام وينتهي بالاستفهام أيضًا، ممّا يؤكد حركية القصيدة وانطلاقتها إلى ما هو أبعد لتجسيد الانفعالات الوجدانية التي تمور في نفس الشاعر.

يشكل أسلوب النفي ـ الصريح والضمني ـ أحد أبرز الظواهر الأسلوبية في القصيدة [2] ، وقد تمت تشكيلاته بأدوات متنوعة (لولاـ لم ـ ما ـ ليس ـ لا) ، غير أن الأداة الأكثر دورانًا في النص هي (لا) ، وغالبًا ما تأتي مكرّرة كما في الأبيات الآتية:

ـ لم يترُكِ الدَّهرُ مِنْ قَلْبي ولا كبدي ... شيئًا تُتيّمُهُ عَيْنٌ ولا جِيدُ

ـ أ صخرةٌ أنا؟ مالي لا تحركني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريدُ

ـ جُودُ الرَّجالِ من الأيدِي وَجُودهُمُ ... مِنَ اللِّسانِ فلا كانُوا ولا الجُودُ

ـ مِنْ كُلَّ رِخْوٍ وِكاءِ البَطْنَ مُنفَتِقٍ ... لا في الرَّجال ولا النسوانِ مَعْدُود

تُظهر النصوص الأربعة أنّ (لا) تعادلت من حيث توزيعها على نسق المخاطِب (اُلمرسِل/الشاعر) في البيتين الأول والثاني، ونسق المخاطَب (اُلمرسَل إليه/كافور) في البيتين الثالث والرابع، ولعلّ مردّ هذا الاستخدام الكثيف وذلك التوزيع المتوازن إلى أنّ الأداة (لا) تقوم بوظيفة دلالية وفنية مزدوجة في آنٍ واحد، فهي تتيح المجالَ للشاعر لكي ينفس عن امتعاضه الداخلي، كما تكشف عن شدة غضبه على كافور الإخشيدي، وذلك"بما تحويه من قوة سمعية ونبرية من خلال تردداتها العالية" [3] .

يؤدي الاعتراض بين رُكني الجملة دورًا بالغ الأهمية في إثراء النص بالمعاني الإضافية التي يبغي الشاعرُ إثارتها، من ذلك قوله: ...

ماذا لَقِيتُ مِنَ الدُّنيا وأَعجَبُهُ ... أَنَي ـ بما أنَا باكٍ منه ـ محسودُ

إن الاعتراض الذي وقع بين اسم إن وخبرها يصور الواقع النفسي المؤلم الذي يعيشه الشاعر، مثلما يوحي بإساءة الإخشيدي إليه، فضلًا عن أن الاعتراض هو الذي يعطي القيمة الدلالية للاستفهام الوارد في بداية الصدر (ماذا) ، ولعجبه في نهاية الصدر (وأعجبه) .

ويعمل الاعتراض على إبراز ثنائية الإقامة والرحيل في قوله:

إِنّي نَزَلْتُ بِكَذّابينَ ضَيْفُهُمْ ... ـ عَنِ القِرَى وعن التَّرْحَالِ ـ محدودُ

يعمق الاعتراض هنا مغزى الهجاء الساخر، لكونه مبنيًا على مفارقة عجيبة تؤشر إلى انعدام الاستضافة اللائقة بالشاعر، وعدم التخلي عنه ليرتحل حُرًّا طليقًا، وهذه الثنائية غير المعهودة في واقع

(1) خصوصية الرؤيا والتشكيل في شعر محمود درويش، محمد صالح الشنطي، مجلة فصول، مصر، المجلد 7، العددان (1 - 2) ، أكتوبر، 1986: 144.

(2) تكرّر هذا الأسلوب على امتداد القصيدة ست عشرة مرة.

(3) منهج النقد الصوتي في تحليل الخطاب الشعري ـ الآفاق النظرية و واقعية التطبيق، د. قاسم البريسم، دار الكنوز الأدبية، ط1، 2000: 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت