الصفحة 6 من 18

ـ أ صخرةٌ أنا؟ مالي لا تحركني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريد

ـ ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبُه ... أني بما أنا باكٍ منه محسودُ

إنّ الحضور السياقي في هذه الأبنية يتوجه حينًا إلى / أنت / سواءٌ كان يتمثل في الزمن (العيد) أم يتمثل في (ساقيي الخمر) ، ويتوجه حينًا آخر إلى / أنا / وهو الشاعر نفسه، وقد سيطر هذا الأخير على نسق الحضور في البنية الاستفهامية، وربما يعود السبب في هيمنة هذا النمط إلى أنّ المتنبي كان يُقبل في فورة الغضب على امتعاض نفسه عبر توجيه الخطاب إلى ذاته، وما هذا الامتعاض إلا"تعبيرٌ عن مواقف من النقد الذاتي تحطمت فيه ملامح تحقيق المرامي الغائبة فانكسرت أمواج الأمل على جدران الوسيلة" [1] ، و إنما يعمد المتنبي إلى الإفصاح عن هذا الامتعاض للكشف عن مدى ما يعانيه من الأزمات النفسية في العيد جرّاء فراق الأحبة من جهة، وللتدليل على امتصاص النقمة على كافور من جهة أخرى، ويبلغ هذا الامتعاض الذاتي أوجه في قوله:

ـ أ صخرةٌ أنا؟ مالي لا تحركني ... هذي المدام ولا هذي الأغاريد

ومن ثمّ أشار بعض المعاصرين إلى أنه"تبلورت الصراعات الذاتية الانطوائية متفاعلة مع الصراع الخارجي ممّا ولّد ثنائيًا تقابليًا انطق الشاعر بصريح التناقضات ومرير الاعترافات" [2] .

كما يبلغ توجيه الخطاب إلى الزمن (العيد) غايته في مطلع القصيدة:

ـ عيدٌ بِأَية حالٍ عُدت يا عيدُ ... بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ

ولعلّ هذا الاستهلال المتكرّر يمثل مفتاحًا شعريًا يلخص ملامح النص الدلالية من خلال التوتر الذي يحدثه ذلك الأسلوب القادر على إثارة المخاطب وتحريك ذهنه.

ويتكرّر الاستفهام على نسق الغياب في النص الشعري خمس مرات، ويقصد به الغياب السياقي للمتلقي وثقله الدلالي في التراكيب، ومثال ذلك قوله في الأبيات الآتية:

ـ أَ كُلَّما اغْتَالَ عَبدُ السُّوءِ سَيدَهُ ... أَو خَانَهُ فَلَهُ في مِصْرَ تَمْهيدُ

ـ من علَّمَ الأسودَ اَلمخصِيَّ مَكْرُمَةً ... أَقَومُهُ البِيضُ أم آباؤُهُ الصِّيدُ

ـ أّمْ أذنه في يَدِي النّخاسِ داميةً ... أَمْ قَدْرُهُ وهو بالْفَلْسَيْنِ مَرْدودُ

ـ وذاك أَنَّ الفُحولَ البِيضَ عاجِزةٌ ... عَنِ الجميلِ فكيفَ الخِصيَةُ السُّودُ

تتمركز دلالة الاستفهام في الأبيات حول الغياب، ولو ذكر الشاعر المخاطب (كافور) أو وجّه إليه الخطاب مباشرةً، لانحصرت إيحاءات الأسلوب في كافور الإخشيدي وحده ولا يشمل غيره، وهذا ما يجعل دلالات الأبيات منفتحة على الكل لا منغلقة على الجزء، فضلًا عن أن نسق الغياب يساعد المتنبي في إضفاء لونٍ من التعتيم على النص حتى لا تصل المعاني الهجائية اللاذعة إلى كافور على نحو مباشر، لأن التلميح بالهجاء أغنى دلالةً من التصريح به.

(1) مفاعلات الأبنية اللغوية والمقومات الشخصانية في شعر المتنبي، د. عبد السلام المسدي مجلة الأقلام، العدد (4) ، كانون الثاني، السنة (13) ، 1978، بغداد:92.

(2) نفسه:92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت