الصفحة 5 من 18

*المستوى التركيبي:

إن تذوق النص الأدبي يتوقف إلى حدّ بعيد على فهم دلالات الكلمات -في مستواها المعجمي-، بوصفها وحدة لسانية ذات إشارات أولية داخل الخطاب غير إن"دراسة الكلمات في حدّ ذاتها لا تمثل شيئًا في فهم العمل الأدبي، بل إن هذا الفهم لا يتمثل الاّ في العلاقات بين الكلمات، أي في وحدات اللغة، وهي بدورها تقوم على أساس التسلسل بين التراكيب التي يخلقها النحو بإمكاناته الواسعة" [1] ، ولا يقدّم التركيب مثل هذه الرؤية الدلالية التي تعمل على تقريب أبعاد النص إلى ذهن المتلقي إلاّ من خلال الوقوف على التواشجات النوعية التي يتم بها تشكيل النص، إذ"إن الطريقة التي يتم بها تركيب بنية النص هي التي تمنح النص قيمته التعبيرية والإيحائية" [2] .

وتأتي فاعلية التركيب في البحث الأسلوبي من"أن الأسلوبية ترى فيه عنصرًا ذا حساسية في تحديد الخصائص التي تربطه بمبدع معين، ولأنها تعطيه من الملامح ما يميزه عن غيره من المبدعين" [3] ، وإذ ترى الأسلوبية دلالة التركيب على صاحبه فإنها تضع في الحسبان"أن المنطلق المبدئي الذي تستند إليه نظرية الخطاب الأدبي يتمثل في اعتبار أن الكاتب لا يتسنى له الإفصاح عن حسّه ولا عن تصويره للوجود إلا انطلاقًا من تركيب الأدوات اللغوية تركيبًا يفضي إلى صوغ الصورة المنشودة والانفعال المقصود" [4] .

ويشغل تناول العدول في التراكيب حيزًا واسعًا في المقاربة الأسلوبية، لكونه لونًا من الأداء يحدّد أدبية الخطاب بخروجه عن القالب المرسوم [5] ، ومن ثمّ فإن دراسة التراكيب اللغوية تسهم بشكل جاد في تأطير القراءة الأسلوبية، وهي دراسة"تنطلق من الظواهر اللغوية النحوية للكشف عن القوانين الداخلية التي تساهم في ضبط الممارسة الكلامية، من حيث التسلسل والتناسق بين أجزاء الكلام" [6] ، انطلاقًا من هذا المنظور الأسلوبي المتميز تجاه التركيب وفاعليته الدلالية في النص فإن المحور الأول في البحث يتوافر على استنطاق المستوى التركيبي في القصيدة بغية إبراز المهيمنات الأسلوبية والكشف عن المعاني الخفية التي تقف وراء تشكل تلك العلاقات بين العناصر اللغوية الدالة.

تشكل بنية الاستفهام بتراكماتها الكثيفة في هذه القصيدة ظاهرةً أسلوبية تنتج دلالات إيحائية تتخطى المستوى السطحي للتراكيب، ويلحظ إن بنية التراكيب الاستفهامية -في داليه المتنبي- توزعت على ثنائية الحضور والغياب، أما على صعيد الحضور فإن الاستفهام كغيره من أساليب الطلب يأوي الباث فيه إلى إسهام المخاطب الذي يتحول من متقبل مجرد إلى طرف مشارك [7] ، ولعلّ الحضور السياقي للآخر على هيئة (أنا) أو (أنت) من أبرز مظاهر المتقبل في الناتج الدلالي، وآية ذلك الأبيات الآتية:

ـ عيدٌ بِأَيّة حالٍ عُدت يا عيدُ ... بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ

ـ يا ساقِييَّ أخمرٌ في كئوسكما ... أم في كئوسكما همٌّ وتسهيدُ

(1) البلاغة والأسلوبية:46.

(2) النص الأدبي في اللسانيات البنيوية، يوسف حامد جابر، مجلة علامات، المجلد (7) ، الجزء (29) ، سبتمبر، 1998:23.

(3) البلاغة والأسلوبية: 145.

(4) النقد والحداثة، د. عبد السلام المسدي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1983: 37.

(5) اللسانيات بين لغة الخطاب وخطاب الأدب، د. عبد السلام المسدي، مجلة الأقلام، العدد (9) ، السنة (18) ، بغداد، 1983:70.

(6) التحليل الألسني للأدب، محمد عزام، منشورات وزارة الثقافية، دمشق، 1994: 146ـ147.

(7) خصائص الأسلوب في الشوقيات، د. محمد عبد الهادي الطرابلسي، منشورات الجامعة التونسية، 1981: 350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت