فهرس الكتاب
كقوله تعالى: {قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت. كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} . وقوله تعالى: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} صريح في أن الناس بعد موتهم يمكثون في البرزخ حتى تقوم الساعة.
وجنوح الشيعة الإمامية لتأصيل هذه العقيدة وبثها في نفوس الشيعة، من باب تصبير الشيعة وتثبيتهم على معتقدهم، لما يرون من حالات الضعف والمهانة التي لقوها من الناس عبر التاريخ، وهي تبعث الأمل لدى الشيعة الإمامية بأن هناك يومًا ما سينتقم فيه الشيعة الإمامية من أعدائهم، وتكون الغلبة لهم.
وفي باديء الأمر كان المعتقد في الرجعة هو عودة الإمام ورجعته وهذا ما ذهبت إليه السبئية والكيسانية، ولكن الاثني عشرية لم تقصره على الأئمة؛ بل جعلته عامة للإمام والناس. وقد رصد الأولوسي وأحمد أمين هذا التحول وحددوه بالقرن الثالث الهجري [روح المعاني: 20/ 27، ضحى الإسلام: 3/ 237] .
ولذلك قسم الشيعة الإمامية رجوع الناس بعد الموت إلى ثلاثة أصناف:
الأول: رجوع المهدي أو خروجه من مخبئه، وكذلك رجوع الأئمة بعد موتهم.
الثاني: رجوع خلفاء المسلمين الذين اغتصبوا الخلافة!، والاقتصاص منهم.
الثالث: رجوع أصحاب الإيمان المحض (وهم الشيعة الإمامية ومن تابعهم) ، ورجوع أصحاب الكفر المحض (وهم جميع من لم يؤمن بمذهبهم، وعلى رأسهم أهل السنة بلا شك) ، ويستثنى من ذلك المستضعفين (وهم النساء، والبله، ومن لم تتم عليه الحجة كأصحاب الفترة ... وهؤلاء عند الشيعة الإمامية مرجون لأمر الله إما يعذبهم أو يتوب عليهم [انظر بحار الأنوار: 8/ 363، والاعتقادات للمجلسي ص 100] ) .
قلت: وهذا التقسيم يؤيد ما قلناه آنفًا: فبرجعة الأئمة يفرح الشيعة الإمامية بملاقاة أئمتهم وخصوصًا المهدي الذي طالما اشتاقت إليه نفوسهم، وبعودة الأئمة تكون الغلبة لهم والرفعة لهم. وبرجعة الخلفاء الذين اغتصبوا الخلافة، تطيب نفوسهم، وتشفى صدورهم بالانتقام ممن اغتصب الخلافة من علي وهم أبو بكر وعمر وعثمان -رضي الله عن الجميع-.
وفي رجعة المؤمنين (أي الشيعة الإمامية أهل الإيمان المحض!) ، والكافرين (وهم غير الشيعة الإمامية) تتمة لسرورهم برؤية أعدائهم وهم يعذبون وينكل بهم. فكان الأولى أن تسمى عقيدة التنكيل والانتقام بدلًا من عقيدة الرجعة، لأنها مبنية على الانتقام والتشفي. ويدل لذلك ما رواه في بحار الأنوار [53/ 40] أن أبا عبد الله قال: (كأني بحمران بن أعين، وميسر ابن عبد العزيز، يخبطان الناس بأسيافهما بين الصفا والمروة!) .