فهرس الكتاب
أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، فطالما كان الأمر مستطاعًا كان واجبًا. وإنما ذكر الاستطاعة في الأمر ولم يذكرها في النهي؛ لأن النهي يقتضي مجرد الكف وأما الأمر فهو يقتضي إيجاد فعل وإنشاءه فناسب أن يعلق بالاستطاعة، وحديث بريرة قالت: أتأمرني؟، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا إنما أنا شافع» ، أي في أمر عودتها إلى زوجها مغيث؛ فقالت: لا حاجة لي. فدل ذلك مع أنه لو أمرها لكان لزامًا لها، فالصحيح الظاهر أن الأمر للوجوب، والنهي للتحريم ما لم يصرفهما صارف. وقوله تعالى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} ، ظهرت في هذه الجملة على الرغم من قصرها جملة أمراض إبليس لعنة الله عليه؛ فمنها ما سبق بيانه من جهله بصفات الله، واتهامه لربه بعدم الحكمة وعدم وضع الأشياء في مواضعها، وتكريم من لا يستحق التكريم، ووضع من لا يستحق الوضع، ولازم ذلك الطعن في العلم والعدل والعياذ بالله. المرض الثاني: مرض الإعجاب بالنفس، ورؤية كمالات موهومة لها، وخيرية على غيرها بلا استحقاق، وهذا من أعظم الأمراض خطرًا على المخلوق، وهو منبع مرض الكبر والعلو الذي هو من أعظم أسباب الكفر والعياذ بالله، فيعمى العبد عن نقصه وعجزه وضعفه وجهله، ويتوهم نفسه في أعلى درجات الكمال، فقد نسي إبليس فقره، ونسي جهله بربه ونسي عيوب عبادته التي كانت، ونسب لها ما لا تستحق من التفضيل، وأنت تجد هذا المرض قد انتقل لأتباعه من الإنس والجن؛ فقالوا كما قال الله عنهم: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] ، وقال قائلهم: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34] ، وقال فرعون: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 52،53] فعمي عن كل كمالات موسى، وعمي عن عيوب نفسه وأمراضها القاتلة وظن نفسه خيرًا من موسى، وقالوا: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} ، وقال أبو جهل للنبي صلي الله عليه وسلم: لقد علمت ما بها (أي