فهرس الكتاب
نسب الإغواء إلي الله عز وجل؛ محتجًا به علي كفره ومعصيته، ومبررًا عزمه علي القعود لبني آدم، صادًا لهم عن الحق، وصراط الله المستقيم، فلم يقل ذلك شهودًا للربوبية، وإيمانًا بقدر الله وقدرته علي أفعال عباده، وخلقه لها؛ كما قالها نوح عليه السلام لقومه: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود:34] ، أو كما قالها موسي -عليه السلام- متوسلًا بشهود هذا المعني من معاني التوحيد لإجابة دعائه؛ حيث قال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف:155] ، فالمؤمن يشهد القدر توحيدًا لله عزَّ وجلَّ، ويلتزم بالطاعة، ويتوب إلي الله من ذنوبه، ويعترف علي نفسه بالظلم فيما فعله، والكافر والفاجر ومن شابه إبليس من الجبرية، يذكرون القدر احتجاجًا علي ترك الشرع، ومحاربة الرب سبحانه، ورسله، ومعاندة أوامره؛ فهي كلمة حق يقولونها يريدون بها باطلًا، فأما أنها حق: فلا شك أن الله هو الذي أغوي إبليس؛ أي أضله وأهلكه؛ بعدله سبحانه، وبعلمه بما انطوي عليه سره من الكبر والعجب، والجهل بصفات الله عز وجل، وهو كذلك أغوي قوم نوح، وكل كافر ومشرك فما يكون في ملكه إلا ما يريد، وهذا مقتضي ربوبيته، وعلمه وقدرته، وإرادته الكونية، وأنه وحده الخالق، وكل شيء سواه مخلوق: من ذوات العباد، وصفاتهم وأفعالهم، وأما أنهم يريدون بها باطلًا فإنهم: يبررون بذكر هذا الإغواء مخالفتهم لأمر الله الذي وقع من خلال قدرتهم وإرادتهم التي خلقها الله لهم، وهم فاعلون حقيقة، والفعل الحقيقي هو الذي يفعله فاعله، بإرادته وقدرته، والله خالقهم، وخالق قدرتهم ومشيئتهم وأفعالهم وصفاتهم، وليس كون هذه الأشياء مخلوقة لله يلزم منها انعدام أثرها وسببيتها؛ فالله الذي أراد أن تكون القدرة والإرادة المخلوقة مؤثرة في فعله، وسببًا أو جزء سبب لوجود فعله، وبهذا وعليه يحاسبه ربه ويسأله، ويمدحه أو يذمه؛ كما أن الإنسان مخلوق من أبويه، وهما مخلوقان لله عز وجل، ولكن كونهما مخلوقين لله لا يعني انعدام أثرهما، وسببيتهما في وجوده عند كل العقلاء؛ فهما تزوجا، وتعاشرا معاشرة نشأ بسببها الولد، وهما مسئولان عنه لأجل ذلك، فلو ألقياه في الطريق قائلين ربه الذي أراد خلقه، وهو الذي أوجده، فلا دخل لنا به، لكانا